بالمنطق البشري والسياسي، ليس أمراً طبيعياً أن يبقى بلد بأكمله تحت وطأة خسارة رجل واحد بعد 21 عاماً على اغتياله، ولكن يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام يعرف اللبنانيون كما الدول المعنية بلبنان كم كان حجم خسارة رجل بحجم الرئيس رفيق الحريري كبيراً.
لم يخسره لبنان كرجل دولة ولكنه يكاد يخسر الفكرة، الفكرة التي مثّلها رفيق الحريري، فكرة الدولة لا الميليشيا، فكرة الوطن لا تجمع الطوائف، فكرة العلم والبناء لا الحروب العبثية.
يوماً بعد يوم، وبعد 21 عاماً على الزلزال الكبير الذي هز العالم يوم 14 فبراير/شباط 2005 يتضح أكثر لماذا رفيق الحريري؟ لماذا اغتال نظام بشار الأسد و"حزب الله" رجلاً لم يكن بالظاهر عدواً لهما، هم أرادوا اغتيال المشروع، مشروع الدولة والاعتدال، مشروع العلم والإنماء والإعمار، اغتالوه لنغرق جميعاً في منطق الميليشيات والحروب والطوائف، لا في لبنان فحسب بل في سوريا أيضاً.
من يعرف لبنان قبل 2005 وكيف كانت عجلة الإعمار والإنماء لا تتوقف، لا يستطيع إلا أن يعرف أن خصوم رفيق الحريري لم يكونوا فقط من قاموا باغتياله، بعض ممن تباكى ويتباكى عليه يشبه من اغتالوه، حتى إن بعضهم شريك في اغتيال مشروع رفيق الحريري، مفهوم الدولة غائب عن ضميرهم مهما ذكروه بخطاباتهم، هم خصوم "حزب الله" لا لأنهم ضد منطق الميليشيا بل لأنهم لم يعودوا كما كانوا قبل اتفاق "الطائف" الذي كان رفيق الحريري عرابه، ميليشيا كما "حزب الله".
هم لا يعارضون "حزب الله" لأنه طائفي، هم ضد نهج رفيق الحريري لأنه غير طائفي، منطق الدولة يضعفهم ويضعف دورهم تماماً كما يضعف "حزب الله".
اليوم سوريا من دون نظام الأسد، و"حزب الله" أضعف بكثير مما كان عليه قبل عامين. ولكنّ بعض من كانوا ضد الأسد وبعض من هم ضد "حزب الله" لا يزالون يدورون بفلك منطق "حزب الله" وبشار الأسد
اليوم سوريا من دون نظام الأسد، و"حزب الله" أضعف بكثير مما كان عليه قبل عامين. ولكن بعض من كانوا ضد الأسد وبعض من هم ضد "حزب الله" لا يزالون يدورون بفلك منطق "حزب الله" وبشار الأسد.
في سوريا نرى من يبرر السلاح خارج الشرعية، هو ضد "حزب الله" وناضل لسنوات ضد بشار الأسد، ولكنه تبنى منطقهم حتى صار منطقه بالنظر إلى الدولة، الدولة كمفهوم وليس كسلطة وحكم.
الطائفية هي السبب الأول لدمار الأوطان، لتحقير فكرة المواطن ولتحويل الدولة إلى تجمع طوائف يهددون بالانسحاب منها إن شعر من يدعي تمثيلهم أن مصالحه الشخصية مهددة
الاعتدال ليس ترفا بل ضرورة، حصر السلاح بيد القوى الشرعية ليست وجهة نظر بل الأساس لقيام الدولة، وإلا سندخل في الحلقة المفرغة التي دخلها لبنان بعد "الطائف" وشاهد العالم أجمع نتيجتها في لبنان.
أما الطائفية، فهي السبب الأول لدمار الأوطان، لتحقير فكرة المواطن ولتحويل الدولة إلى تجمع طوائف يهددون بالانسحاب منها إن شعر من يدعي تمثيلهم أن مصالحه الشخصية مهددة.
اليوم نحن أمام فرصة في سوريا لبناء وطن ودولة، لم تسمح قوى الظلام لرفيق الحريري بإكمالها في لبنان، فإما أن نكون دولة مواطنة وإما سنسمح لأشباه بشار الأسد و"حزب الله" مهما تعددت طوائفهم وأعراقهم بتحويل سوريا إلى تجمع طوائف وقبائل، وبالتأكيد ليس هذا ما دفع مئات آلاف السوريين حياتهم من أجله.