"اليسار الممانع" كفصيل سلطوي

كان "حزب الله" في بداياته قد اعتمد على قدرات اليسار وخبراته في بناء "المقاومة الإسلامية"

"اليسار الممانع" كفصيل سلطوي

استمع إلى المقال دقيقة

يُطلق الكثير من اللبنانيين على اليسار المؤيد لـ"حزب الله" مصطلح "يسار محور الممانعة"، ويرون أن هذا المصطلح لم يكن ليرى النور لولا أن بعض اليسار ضحّى باستقلاليته السياسية وتاريخه النضالي ومسيرته الاجتماعية والثقافية، ليعمل تابعا لدى "حزب الله"، ويتحوّل من مؤسس للمقاومة الوطنية إلى مسوّق لسلطة حزبية– دينية، مع ما استتبع ذلك من إضعاف لليسار وللمقاومة معاً.

في مقابل ذلك، يتمسّك "اليسار الممانع" لتلطيف تبعيّته، برؤى سياسية متصلّبة، تعود بمعظمها إلى مبدأ الأممية الثورية والفكر الأيديولوجي المناهض للإمبريالية والاستعمار، مثل "معاداة الغرب"، بزعم أنها تتقدّم على المصلحة الوطنية وعلى أي نضال سياسي أو مدني محلي.

وبين هذا وذاك، يرى طيف واسع من "اليسار الآخر"، أن أيقنة "اليسار الممانع" للمقاومة، التي تعني حُكما "حزب الله"، غير مبنية على عاطفة وطنية، أو إرادة تحرر، أو طرد المحتل كما يدّعي، إنما هناك نوع من مصلحة سياسية نفعية، غايتها أن تضمن له شروط البقاء على قيد الحياة السياسية أو حتى على هامشها، بعدما سحقه "حزب الله" في ميداني المقاومة والسياسة.

في تصوّر "اليسار الممانع" ليس "حزب الله" إلا مقاومة فقط، لذلك يغض النظر عن هويته المذهبية، ويضع أي انتقاد لعقيدته الدينية وأيديولوجيته في خانة المؤامرة الصهيونية، ويرى أن تحالفه مع إيران ضرورة بل أولوية من أجل محاربة الإمبريالية، حتى لو كانت نتيجته تعزيز نظام شمولي ديني رجعي، وبناء على هذا التصوّر، يتهم الشيعية الوطنية المستقلة، والمطالبين بلبننته وفصله عن إيران، وتفكيك منظومته الأمنية ونزع سلاحه، باللبرلة أو الصهينة.

كما أنه رغم تمجيده مفاهيم مثل: الحريات الفردية وتحرير المرأة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وسيادة دولة القانون والمؤسسات، نجده يبرر عمليا، سلوك "حزب الله" القمعي والتطويعي الديني؛ خصوصا في بيئته، ويلتقي معه في التحريض على الدولة ومؤسساتها ورموزها، كون العودة إلى الدولة بناء على رؤيته الأممية ليست قيمة وطنية، بل انصياع للمخطط الاستعماري.

أي متابع مهتم، لو راجع قليلا تاريخ المقاومة في لبنان، سيدرك دون جهد، العطب غير القابل للإصلاح الذي ألحقه "حزب الله" بوطنية المقاومة

لا أحد ينكر دور اليسار في مقاومة إسرائيل قبل ظهور "حزب الله"، بقدر "حزب الله" نفسه، بينما هناك من ينكر دور "حزب الله" في إضعاف أحزاب اليسار وتصفية قادتها لتخلو له ساحة المقاومة، من داخل اليسار نفسه.
كان "حزب الله" في بداياته، قبل إطباقه على مناطق المقاومة، وقبل حملة اغتيال اليساريين والتنكيل بهم- علما أن بعض اليساريين لا يتذكّر ذلك-  قد اعتمد على قدرات اليسار وخبراته في بناء "المقاومة الإسلامية"، ولعبت مجموعة من كوادر اليسار دورا محوريا في تنسيق عملياته العسكرية الأولى والإشراف عليها وتنفيذها، وخلق أرضية شعبية له. 
لاحقا، بعدما سيطر "الحزب" على ميادين المقاومة وساحاتها، وعزل كل الأطراف التي قاومت قبله، ارتأى أن يستخدم اليسار كأداة لاستعراض مرونته وانفتاحه وموضوعيته السياسية، فمنحه منابر للكلام والإعلام ومساحات وهمية للعمل السياسي "المقاوم"، بينما على الأرض، قطع عليه طريق المشاركة في أي انتخابات (برلمانية، بلدية، نقابية)، ولم يسمح له بحمل البندقية ولو إلى جانبه، عمليا منعه من أن يتمثل سياسيا ومدنيا ونقابيا ومن أن يقاوم، إلا بأضعف الإيمان، أي باللسان فقط! 
في الواقع، ليس أخطر من أن يتحوّل الذي أسس فكرة المقاومة، إلى أداة للقضاء عليها وعلى إرثها وفرادة تجربتها الوطنية، تارة بالقبول أو الموافقة على اعتبارها مجرد ذاكرة ثقافية، وتارة أخرى بإنكار تصفية رموزها جسديا ومعنويا أو السكوت عن ذلك، وكل ذلك بأسلوب تبريري يبدو مقنعا للكثيرين، لأنه صادر عن خط "وطني" و"مقاوم"، والشيء الأكثر خطورة في هذا الواقع، أنه يضرب مصداقية المعارضين لـ"حزب الله"، لا سيما الشيعة، ويضعف خطابهم الوطني، إذ إنه يبرّئ "حزب الله" من كل ارتكاباته، ويؤمّن له غرفة إنعاش دائمة، تسعفه كلما اشتد الخناق حول مشروعه.
أي متابع مهتم، لو راجع قليلا تاريخ المقاومة في لبنان، سيدرك دون جهد، العطب غير القابل للإصلاح الذي ألحقه "حزب الله" بوطنية المقاومة، عدا حجم العداء الذي تراكم ضدها (المقاومة) في وجدان اللبنانيين نتيجة مذهبته لها، ومع ذلك، فإن قسما من اليسار لا يزال يتجاهل هذا الواقع، ويفكّر في إطار عقلية المقاومة من أجل المقاومة فقط، وهو بذلك يبدو كأي فصيل سلطوي يميني، من حيث إنه يعمل خادما للسلطة عدوا للشعب، مخالفا بذلك مبادئه اليسارية الثورية وفكرة المقاومة قبل كل شيء.

font change