يذكر المؤرخون حادثة وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما قضت إحدى المحاكم البريطانية بنقل أحد المطارات الحربية المجاورة لإحدى المدارس، فطلب رئيس الوزراء البريطاني آنذاك وينستون تشرشل بضرورة الالتزام بحكم القضاء ونقل المطار، واشتهرت حينها مقولته "لأن تهزم بريطانيا فى الحرب، خير من أن يقال إنها لا تنفذ أحكام القضاء".
شقيق الملك البريطاني الأمير أندرو تم توقيفه قبل أيام في يوم عيد ميلاده السادس والستين، وأفرج عنه مع إبقائه على ذمّة التحقيق في شبهات بارتكابه "مخالفات أثناء تأدية مهامه الرسمية" على صلة بقضيّة الأميركي الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. أصدر الملك تشارلز بياناً جاء فيه: "سأواصل أنا وعائلتي أداء واجبنا وخدمتنا لكم جميعاً". وأيد ولي العهد بيان الملك، ووضعت مصلحة الوطن والدولة قبل مصلحة العائلة.
يحكى اليوم في الإعلام الغربي والبريطاني تحديداً عن الأزمة الأكبر التي تواجهها الملكية البريطانية في تاريخها.
في 21 أكتوبر/تشرين الأول الماضي دخل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي السجن في باريس لتنفيذ عقوبة خمس سنوات بعد إدانته بسبب حصوله على تمويل لحملته الانتخابية عام 2007 من ليبيا، أمضى 20 يوماً في السجن قبل أن يخرج بقرار من محكمة الاستئناف.
القضاء النزيه هو حجر الأساس لبناء سوريا الجديدة التي طالما عانى شعبها من فساد قضائها وتورط معظم قضاتها في دم السوريين وأموالهم
الأمثلة كثيرة عن زعماء ورؤساء دخلوا السجن: سلفيو بيرلسكوني في إيطاليا، يوليا تيموشينكو في أوكرانيا، وقبل يومين سجن رئيس كوريا الجنوبية السابق يون سوك يول، مدى الحياة، بعد إدانته بقيادة تمرّد عبر إعلانه الأحكام العرفية عام 2024. حتى في إسرائيل قضى رئيس وزرائها إيهود أولمرت 19 شهراً خلف القضبان بتهمة الفساد.
في جمهورياتنا العربية ما زال القضاء العادل حلماً لبعضنا، أو مؤامرة لبعضنا الآخر، إن وجهت تهمة لزعيم أو قريب زعيم ستخرج الجماهير الغاضبة لتتحدث عن المؤامرة الكونية والأيادي الخارجية.
يقول ابن خلدون "فساد القضاء يُفضي إلى نهاية الدولة"، ونحن اليوم في مرحلة بناء الدولة وأول ما يجب أن يبنى على أسس صحيحة هو القضاء، القضاء المستقل والعادل، القضاء الذي يحاكم الفاسد والمفسد أياً كان، القضاء الذي يحاكم كل من تورط بدماء مئات آلاف السوريين، ففي سوريا الجديدة يجب أن تتحول ثقافة المجتمع من ثقافة أخذ الحق بالعنف ومن ثقافة الثأر، إلى ثقافة الاحتكام إلى قانون عادل يطبقه قضاة عادلون. وهذا غير ممكن إلا إذا أولت الدولة عنايتها الكاملة للقضاء فهو صمام الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي.
العدالة هي صمام الأمان للسلم الأهلي، وليس غيابها. والقضاة هم المعنيون بتطبيق القانون وليس الوجهاء. والقضاء النزيه هو حجر الأساس لبناء سوريا الجديدة التي طالما عانى شعبها من فساد قضائها وتورط معظم قضاتها في دم السوريين وأموالهم.