أوكرانيا... عندما يقتسم العدو والحليف جثة الضحية

محاولة جو بايدن تثبيت عقارب الساعة وعدم السماح للوجهة التي رسم معالمها دونالد ترمب في ولايته الأولى، لم تفلح. كانت حرب أوكرانيا أكبر كثيرا من كل محاولات الترقيع والتجميل

أوكرانيا... عندما يقتسم العدو والحليف جثة الضحية

استمع إلى المقال دقيقة

أنهت الحرب الروسية على أوكرانيا نظاما عالميا كاملا نشأ بعد الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفياتي وكتلته. استراتيجيات بل ثقافات بُنيت على افتراض دوام الوضع الذي امتد منذ تسعينات القرن الماضي وتعزز في ظل "الحرب على الإرهاب".

دول غيرت أنماط اقتصادها ومستوى معيشة سكانها اعتمادا على أن علاقات الشرق والغرب قد استقرت، على غرار ما فعلت أوروبا، وخصوصا ألمانيا التي أقفلت مفاعلاتها النووية واتكلت على الغاز الروسي الرخيص المستورد. فلماذا تنتج كهرباء ترافقها نسبة خطر معتبرة من المفاعلات، في حين أن الغاز الرخيص والنظيف نسبيا متوفر؟

في النظام السابق: روسيا تبيع الطاقة، وتنتج الصين السلع الرخيصة، وتهتم الولايات المتحدة بالتكنولوجيا المتقدمة. فيما يتولى "تحالفٌ" ما، ينشأ في مناطق الأزمات المفاجئة، تسويةَ الأمور بمزيج من العنف والتفاوض والحلول المؤقتة، على ما ساد في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما، في أفغانستان والعراق والقضاء على "داعش".

محاولة جو بايدن تثبيت عقارب الساعة وعدم السماح للوجهة التي رسم معالمها دونالد ترمب في ولايته الأولى، لم تفلح. كانت حرب أوكرانيا أكبر كثيرا من كل محاولات الترقيع والتجميل.

وإذا كانت نهاية نظام عالمي لا تعني بالضرورة ظهور نظام بديل متكامل الأركان، حيث استغرق الانتقال من نظام القطبين، السوفياتي والأميركي، إلى نظام القطب الواحد أعوام النصف الأول من التسعينات التي عمتها الفوضى والحروب الأهلية، فإن النظام العالمي الجديد ما زال غامض المعالم.

يمكن القول إن النظام الجاري العمل عليه، ينطوي على تناقض باهر. الأيديولوجيا تحضر بكل ثقلها من جهة، تقابلها الاعتبارات النفعية المركنتلية من جهة ثانية.

الحرب في أوكرانيا بدأت "بقصف تمهيدي" أيديولوجي شارك فيه كبار المتحدثين الروس. ويجري دائما التذكير بالمقالة الطويلة التي نشرها الرئيس فلاديمير بوتين على موقع الكرملين في يوليو/تموز 2021 والتي توسعت في تناول تاريخ روسيا، وسعت إلى تحطيم أسس الكيان والهوية والثقافة الأوكرانية، ساحبة حق أوكرانيا في الوجود كدولة مستقلة، ومشيرة إلى أن مستقبل الأوكرانيين هو العودة إلى شقيقتهم الكبرى روسيا، وأن كل ما يعتبره الأوكرانيون محددات لهويتهم ليس أكثر من تشوهات جاء بها البولنديون والليتوانيون والغرب عموما... شارك مثقفون وكتاب كبار في هذه الحملة، من بينهم رئيس أحد الوفود الروسية المفاوضة لإنهاء الحرب.

الاعتراف بهزيمة كييف وبسيطرة موسكو على عشرين في المئة من أراضي أوكرانيا، وحصول الولايات المتحدة على امتيازات ضخمة في استثمار الثروات المعدنية الأوكرانية، يعني أن العدو والحليف سيقتسمان جثة الضحية

ولم يخل الأمر من رد أيديولوجي أوكراني وُصف بالفاشية وموالاة اليمين المتطرف ويتلخص في أن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد السوفياتي في بداية عشرينات القرن الماضي لم يكن سوى احتلال روسي شاركت فيه عصابات من العملاء الأوكرانيين الشيوعيين. 
أما خطط السلام التي تُناقش اليوم فتدعو إلى الاعتراف بهزيمة كييف وبسيطرة موسكو على عشرين في المئة من أراضي أوكرانيا بل إعطاء روسيا أراضي لم تتمكن من احتلالها بالقوة في إقليم دونباس. يضاف إلى ذلك، حصول الولايات المتحدة على امتيازات ضخمة في استثمار الثروات المعدنية الأوكرانية. أي إن العدو والحليف سيقتسمان جثة الضحية. 
لعل في هذا التلخيص لمجريات الحرب الأوكرانية نُذر التسويات التي سيشهدها العالم في الصراعات الدائرة. وهو ما بدا في الطريقة التي عولجت بها مسألة الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو الذي لم يعد يأتي أحد على ذكره بعد أيام من اعتقاله، فيما الجميع ينتظر وصول عائدات النفط الفنزويلي الذي يقول الرئيس ترمب إنه في عهدته الشخصية.
الرسائل التي تستخلصها الدول الأصغر والأضعف من أحداث الأعوام الثلاثة الماضية منذ اندلاع الحرب هي أنه لا سبيل إلى مقارعة قوة كبرى سوى بالسلاح النووي، كما فعلت كوريا الشمالية، وكما فشل عراق صدام حسين وإيران الخامنئي في فعله. وأن الثروة في موارد الطاقة أو المعادن قد تكون سببا في تفتيت التحالفات وليس البناء عليها.
تقول التقديرات إن عدد القتلى من الجنود الروس في الحرب الأوكرانية قد زاد على 400 ألف قتيل فيما يبلغ على الجانب الأوكراني حوالي مئتي ألف، من دون حساب الجرحى والمعوقين والمدنيين والأسرى والدمار والتراجع في مشاريع التنمية. كل ذلك لا يحول دون بقاء الحرب، بصيغها المتجددة والمبتكرة، وسيلة لا غنى عنها في صوغ الحاضر والمستقبل البشريين. 

font change