عن "تعافي" "حزب الله" و"قدراته"

هذا الخطاب وهذه الممارسة، لا ينبئان عن قدرة حقيقية على إعادة البناء ولا على التعافي

عن "تعافي" "حزب الله" و"قدراته"

استمع إلى المقال دقيقة

بين حربي الإسناد اللتين شنهما "حزب الله" في 2024 و2026، تردد كلام كثير عن أن "الحزب أعاد بناء قدراته"، و"تعافى" من الضربات الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل أمينه العام السابق وقيادات الصفين الأول والثاني فيه إضافة إلى آلاف من مقاتليه.

وظهر ناطقون باسمه تكلموا بحبور عن انتقال كامل إلى العمل السري وأن ما من أحد يدري ماذا تفعل القيادة الجديدة المصممة على إعادة بناء القدرات في جو من السرية الشاملة التي عولجت فيها الاختراقات الأمنية الكارثية التي أسفرت عن عمليات إسرائيلية شديدة الخطورة مثل تفجيرات أجهزة البيجر والتصفية الجماعية لمسؤولي "قوة الرضوان" النخبوية وملاحقة العناصر الذين يتولون المسائل اللوجستية والمالية.

والحال أن فكرة "إعادة بناء القدرات" بعد الحروب الطاحنة والاعتقاد بإمكان التعافي، ليسا جديدين. لكنهما يكتسيان سمة خاصة في الكيانات السياسية الشمولية، كدول وأحزاب. في عودة إلى التاريخ، لعل إعادة بناء قدرات الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، تمثل نموذجا فريدا. فالزعيم السوفياتي جوزيف ستالين بعدما رفض المشاركة في خطة مارشال لإعمار البلدان التي دمرتها الحرب، معتبرا أنها تنطوي على هدف غير معلن بإضعاف الأحزاب الشيوعية ومنعها من الوصول إلى السلطة من خلال تقوية الاقتصادات الأوروبية، أنشأ مجلس التعاون الاقتصادي "كومنكوم" الذي عزز السيطرة السوفياتية على دول أوروبا الشرقية. خطوته تلك صبت في تكريس الانقسام بين الشرق والغرب والحرب الباردة بين الجانبين.

المهم في الموضوع أن مجمل سياسات ستالين الخارجية والداخلية لم تتغير في إطار إعادة بناء القدرات السوفياتية وأن مستويات القمع التي مورست قبل الحرب العالمية الثانية، استمرت بعدها بل وتوسعت لتشمل دول أوروبا الشرقية التي أصبحت مناطق نفوذ سوفياتية بعد مؤتمري الحلفاء المنتصرين في يالطا وبوتسدام. وبالفعل أعيد بناء الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية وفق تصميم يأخذ في الاعتبار الإعداد المستمر لحرب شاملة مع الولايات المتحدة والغرب على حساب التنمية والرفاهية والازدهار في بلدان الشرق. ومفهوم أن أول ما يُضحى به في مجتمع ينحو صوب العسكرة والاستنفار الدائم هو الحريات المدنية والعامة. بكلمات ثانية، أعيد البناء فعلا وبقي على حاله، مع تغيرات طفيفة عهدي نيكيتا خروتشوف وميخائيل غورباتشوف إلى أن انهار دفعة واحدة وأخيرة.

في حالة "حزب الله"، تقدم وتيرة الاغتيالات للقياديين العسكريين والإداريين إشارات إلى أن الخروقات الأمنية لم تعالج منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024

عينة ثانية تستحق الاهتمام هي تلك التي رسم معالمها الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967. ففي خطابه في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 23 يوليو/تموز 1952، دعا المصريين إلى الصمود وإلى الاقتداء بالشعب الفيتنامي في قتاله التدخل الأميركي. ثم عاد في خطابه يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني ورأى أن مظاهرات 9 و10 يونيو/حزيران التي حملته على العودة عن قراره بالاستقالة، "تجديد للثورة". بيد أنه يصعب الحديث عن تغيير يذكر في أداء الحكم الناصري على المستوى الداخلي بعد الهزيمة حيث انصب الجهد على إعادة بناء القوات المسلحة المصرية لتخوض حرب الاستنزاف ولتتجهز لاستعادة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي. والجدير ذكره أن الكثير من الدراسات التي نشرت في الذكرى الخمسين لهزيمة يونيو، في 2017، تحدثت عن الأجواء الداخلية في صفوف القيادة المصرية ومن بقي من مجلس قيادة الثورة و"الضباط الأحرار" حيث ظهر أن الهمّ الأعمق للمجموعة المحيطة بعبد الناصر كان بقاء النظام وتطهيره من الشوائب التي أفضت إلى حصول المشير عبد الحكيم عامر على سلطات واسعة وأن العنصر الشخصي في علاقة ناصر وعامر، واضطرارهما إلى مراعاة بعضهما البعض قد انتهى إلى ضياع المسؤولية بينهما. ومن ثم إلى تلك الهزيمة المذلة. 
في حالة "حزب الله"، تقدم وتيرة الاغتيالات للقياديين العسكريين والإداريين إشارات إلى أن الخروقات الأمنية لم تعالج منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وكان الأبرز في هذا المجال مقتل هيثم الطباطبائي المسؤول العسكري قبل أشهر وهو المكلف بإعادة بناء الهيكل العسكري لـ"الحزب". وفي عمليات مثل قصف المجموعة القيادية لـ"الحرس الثوري" في فندق "رامادا" في قلب بيروت وغيرها من الهجمات، يتبين أن الإسرائيليين ما زالوا يسبقون "الحزب" بخطوات. 
بموازاة الفشل في إعادة البناء العسكري والأمني، يظهر الفشل في "التعافي" السياسي، حيث لا يمل مسؤولو "الحزب" من أمينه العام نعيم قاسم إلى آخرين، من تهديد مواطنيهم اللبنانيين الذين يختلفون معهم في وجهات النظر بل تصل التهديدات إلى ضرب وحدة الجيش اللبناني والتلويح باغتيال مسؤولين في الحكومة. 
هذا الخطاب وهذه الممارسة، لا ينبئان عن قدرة حقيقية على إعادة البناء ولا على التعافي وخصوصا على إدراك التغيرات الهائلة التي يمر بها لبنان والمنطقة والتي صار جليا أن لا مكان فيها لكيانات تكتسب شرعية تمثيلها لجماعتها الضيقة بالانتقاص من شرعية تمثيل الدولة التي يحضر فيها كل اللبنانيين. 

font change