تجسيد في الشعر

تجسيد في الشعر

استمع إلى المقال دقيقة

"التجسيد" هو واحد من أبرز التحديات التي تواجهها الكتابة الإبداعية، وبخاصة الكتابة الشعرية. والتجسيد الشعري أبعد من مجرد التعبير باللغة، أبعد وأعمق من الإيضاح أو الإبهام أو الترميز. التجسيد الشعري هو التحقق اللغوي للانطباعات أو الصور أو الأفكار أو المواقف أو الحركات. فحتى المجرد، غير المحسوس، يمكنه أن يتجلى محسوسا في ثنايا اللغة المجسِدة (بكسر السين). والأشياء التي تتمتع بوجود لها خارج اللغة، أو في معزل عنها، تحظى بوجود لها متجدد كلما تناولتها الكتابة الشعرية وعاودت تجسيدها.

فالشجرة التي يصورها الشعر هي شجرة جديدة، هي شجرة ذات جسد جديد يتأتى لها من التصوير الشعري. هي جديدة في كل مرة يتناولها الشعر أو يستدعيها على نحو معين، وإن كانت في كل مرة تحتفظ بمقوماتها الأساسية ككائن طبيعي، أي ككائن له وجوده الخاص في معزل عن اللغة.

هكذا تكون اللغة الشعرية، في جانب أساسي منها، تجسيدا. وما يحصل للشجرة يمكنه أن يحصل لأي شيء، أو فكرة، أو حركة، أو إحساس... إلخ.

لنستعن ببيت من الشعر، ولنتخذ منه مثالا توضيحيا لما أوردناه. هذا البيت هو من قصيدة مشهورة للمتنبي، هذا مطلعها:

أبعد نأي المليحة البخل

في البعد ما لا تكلف الإبل

والبيت المقصود يتكلم فيه الشاعر على قد امرأة جميلة تتثنى، أو تتمايل في مشيتها، فيقول:

كأنما قدها إذا انفتلت

سكران من خمر طرفها ثمل

حركة التثني متجسدة في هذا البيت. فالكلام الشعري هنا ليس مجرد إخبار عن حركة معينة، وإنما هو تحقيق لها في نسيج اللغة. براعة الشاعر هنا تتجلى في قدرته على جعلنا نشعر بتلك الحركة ولا نكتفي بتبلغها أو بتصورها.

والتجسيد هنا لا يكتفي باستثمار اللغة، وإنما يستثمر أيضا الموسيقى، أو النظام الوزني على وجه التحديد. فالقارئ الخبير بأوزان الشعر يمكنه الانتباه إلى أن موسيقى المنسرح (البحر الذي استخدمه المتنبي في هذه القصيدة) تجسد في الشطر الأول من البيت المذكور حركة الانفتال التي رمى الشاعر إلى تصويرها. والانفتال يشعر به القارئ أو السامع ابتداء من كلمة "إذا" التي تسبق كلمة "انفتلت". ولو قال الشاعر على سبيل المثال: "كأنما قدها (يوما) إذا انفتلت"، لأصبح في البحر البسيط، الذي تذهب موسيقاه بحركة الانفتال التي جسدتها موسيقى المنسرح.

نكتفي بهذا القدر من الكلام على الشطر الأول من بيت المتنبي، الذي نجد في شطره الثاني تصويرا باهرا لنرجسية المرأة، التي ينظر قدها إلى طرفها فيسكر من خمر عينيها. نكتفي بهذا القدر تمثيلا على أن الكتابة الشعرية تجسيد، أي تحقيق لما ترمي إلى تصويره أو الإيحاء به من حركة أو انطباع أو مشهد أو انفعال أو غير ذلك.

وكيف للكتابة الشعرية أن تكون تجسيدا، إذا هي لم تصدر عن حركة الجسد (لدى الشاعر) مقترنة بحركة الفكر؟ أليس من الجائز القول إن الهزة الجسدية التي يحدثها الشعر لدى المتلقي هي صدى للهزة الجسدية التي كانت لدى الشاعر دافعا إلى قول الشعر، أو على الأقل واحدا من الدوافع إلى هذا القول؟

التجسيد في التأليف الشعري يتخطى التعبير والتصوير إلى ابتكار الأشياء وإعطائها وجودا في اللغة لا يذهب بوجودها في الطبيعة

أليس من النافل القول إن الكتابة الشعرية ليست نشاطا فكريا؟ أو على الأقل ليست نشاطا فكريا بحتا، وإنما هي نشاط لا تنفصل فيه طموحات الفكر عن رغبات الجسد. لا ينفصل فيه الوعي عن جموح اللاوعي. إذن، جسد الكتابة الشعرية روحها. فالكتابة الشعرية القادرة على التجسيد، هي الكتابة القادرة على خلق الحيوية في أشكالها اللغوية.

إن الكتابة الشعرية القادرة على التجسيد، هي الكتابة القادرة على تجديد الروح، روح العالم بكائناته المختلفة، التي يعمل الشعر على ابتكارها مرة بعد  مرة، فيجعلها تتحول وتتألق في استمرار. نأخذ مثالا آخر لمزيد من التوضيح. يقول ابن الرومي:

وما لطم بعض الموج في البحر بعضه      

بمانعه تغريق من هو راكبه

تلاطم الموج حركة تجسدها اللغة التي استخدمها الشاعر في هذا البيت، مختارا في الشطر الأول ألفاظا تنتظم في تركيب ينطوي صوتيا ومعنويا على حركة، تجعلنا نشعر بتلاطم الموج بعضه بالبعض الآخر.

ومن الشعر الحديث، نأخذ مثالا هو قصيدة لمحمود درويش، عنوانها "السروة انكسرت" من مجموعته "لا تعتذر عما فعلت"، يمكن اعتبارها تجسيدا للسروة وانكسارها، فقد اجتهد الشاعر ليجعل القارئ يشعر بوجود سروة في القصيدة، وليجعله يشعر أيضا بحركة انكسارها، وبما ترتب عنه من تداعيات وردود أفعال. من القصيدة نورد هذه الأسطر:

... وقال العابرون على الحطام:

لعلها سئمت من الإهمال،

أو هرمت من الأيام،

فهي طويلة كزرافة،

وقليلة المعنى كمكنسة الغبار،

ولا تظلل عاشقين.

وقال طفل: كنت أرسمها بلا خطأ،

فإن قوامها سهل،

وقالت طفلة: إن السماء اليوم ناقصة،

لأن السروة انكسرت.

وقال فتى: ولكن السماء اليوم كاملة

لأن السروة انكسرت...

التجسيد في التأليف الشعري يتخطى التعبير والتصوير إلى ابتكار الأشياء وإعطائها وجودا في اللغة لا يذهب بوجودها في الطبيعة. بكلمة ثانية، يأخذ التجسيد الشعري بالمواصفات الأساسية للأشياء في الطبيعة، ويضفي عليها مواصفات مبتكرة تجعلها قادرة على الانبثاق والتجدد.

font change

مقالات ذات صلة