وعود التجدد في الكتابة، هي أجمل ما يعد الشاعر به نفسه. ولإنجاز هذه الوعود، يعمل بدأب على خلق الأجواء والظروف الملائمة للكتابة، أو الموحية بها. وليس أخطر على الشاعر من شعوره أحيانا بأنه ليس قادرا على إنجاز وعوده لنفسه. ومثل هذا الشعور ينتابه في الغالب بسبب من الكسل، أو بالأحرى من التهاون في العمل على تهيئة الدوافع والمحفزات نحو الكتابة. فهذه الأخيرة، وإن تميزت في كونها شعرية بأنها تلقائية ودفاقة، تحتاج إلى تهيئة قد تطول وقد تقصر، تحتاج إلى ما يمهد لدفقها وتلقائيتها.
والشاعر الذي لا يجد نفسه إلا في الكتابة، ولا يشعر بجوهر وجوده إلا في وعودها، ينبغي له أن لا يتكاسل في مد إمكاناتها وآفاقها بعناصر التجدد التي يستمدها من تجاربه المتنوعة، التي لا تطمئن إلى نهاية أو قرار.
إذن، حياة الشاعر محكومة بالقلق الدائم. وتجاربه في الكتابة محكومة بالتناقض، التناقض بين معنى يفر منه ومبنى يصطنعه ويرضاه، التناقض بين ما يتصوره وما يلمسه، بين ما يثبته وما يتطلع إليه.
في تجارب الكتابة، ينحو الشاعر من القلق نحو الأمان، من الفوضى نحو النظام، من ضبابية المعنى نحو جلاء الشكل. ومن حالات البحث هذه، أي من حالات القلق والتناقض والارتياب والتحفز، تنبثق وعود الشاعر وتتألق، وعوده لنفسه في تحقيق الشكل الذي يقتنص من الزمن لحظات هاربة وينطوي عليها، فتتمرد إذاك على سياقه العابر، وتستقر كجوهرة في كنف النسيج الشعري.
والشاعر، في تجاربه ووعوده، من أكثر الأشخاص إحساسا بماضيه. بل إنه يدأب على تأويل الماضي واستنطاقه. وحيال تجاربه السابقة، لا يفتأ ينهل منها الصور والمعاني والرؤى، لأنه لا يتوقف عن ابتكار تلك التجارب، أو بالأحرى عن إعادة ابتكارها. فالماضي في هذه الحالة لا ينتهي، لا يمضي تماما، وإنما تتوفر له في عمل الشاعر إمكانات التحول والإيحاء بدلالات مستجدة. وكثيرون من الشعراء يقولون إنهم يكتبون من وحي ما يتذكرون. إنهم يجدون في سيرهم الشخصية مواد للكتابة تنهض من الماضي ثم تحلق بعيدا عنه.
والشاعر، في تجاربه ووعوده، هو من أكثر الأشخاص رهافة إزاء الحاضر. فهو لا يتصرف حيال الأحداث والوقائع على نحو آلي، لا يكتفي بردود أفعال حيال ما يجري، وإنما يدرج الأحداث والوقائع في سياق رؤاه الخاصة، التي تعيد ابتكار ما يجري على نحو يهيئ لصياغة الحاضر صياغة تجعله أغنى وأعمق. هكذا يستطيع الشاعر، إذا ما كانت الظروف العامة من حوله كالحة وضاغطة، أن يخلق ظروفه الخاصة التي تتيح له طقسا أو طقوسا للكتابة، تحتضن الحاضر وتتجاوزه في آن.
من حالات البحث هذه، أي من حالات القلق والتناقض والارتياب والتحفز، تنبثق وعود الشاعر وتتألق
فالشاعر إذن، في تجاربه ووعوده، من أكثر الأشخاص تطلعا إلى المستقبل واضطلاعا بصنعه، نظرا إلى أنه من أكثرهم إحساسا بالماضي، ورهافة إزاء الحاضر. وإذا كان المستقبل نتائج أو احتمالات تشير إليها معطيات الماضي والحاضر، فليس أقوى من الشاعر على الحدس بتلك الاحتمالات، وعلى تجسيد الحدوس في صياغات لغوية تحتفي بجماليات الإيحاء والتصوير.
هكذا تكون حياة الشاعر كالوعد الذي يتلألأ في ثنايا الوقت، متساوقا من الماضي إلى الحاضر نحو المستقبل.
الوعود... الوعود... وفي معنى الوعد، هناك الأمل بكل أبعاده. والتفاؤل في هذه الحياة ليس سوى الثقة بما يمكن أن تأتي به الأيام من وعود. والشاعر، في حياته وتجاربه وكتاباته، واعد وموعود. وأجمل ما يختبره الشاعر، ويتوق إليه دائما، هو العيش داخل الوعد. وهذا ما يتحقق للشاعر أثناء الكتابة.
إن أعمق ما يعيشه الشاعر، وأكثره متعة، هو بعدما تأتيه العبارات الأولى وقبل أن ينتهي إلى العبارات الأخيرة. هكذا في كل قصيدة أو عمل كتابي. والزمن الذي يمر بين الابتداء بالكتابة والانتهاء منها هو، كما ألمحنا سابقا، زمن منشود يسعى الشاعر إلى اقتناصه خلال حياته اليومية، ويعد نفسه بالفوز به كل حين.
فالشاعر يكون واعدا للآخرين بقدر ما ينجح في تحقيق وعوده لنفسه. والآن، هل أجبت عن السؤال الذي جعلته عنوانا لهذه المقالة؟ لا أظن. بل أظن أن الإجابة الشافية التي يمكن الإقناع بها ليست ممكنة، بل لا يمكنها إلا أن تكون متعددة، بعدد الذين يحبون الإجابة أو يتصدون لها. كيف يتجدد الشاعر؟ سؤال لا تكون الإجابة عنه إلا ذاتية، أي نابعة من تجربة شخصية. هذا إذا افترضنا أن الشعراء هم المعنيون بالإجابة دون غيرهم.
الإجابة عن هذا السؤال ذاتية كالشعر نفسه. فكما أن الكتابة الشعرية تنبثق من الذات في اتجاهها إلى الآخرين، رابطة على نحو تلقائي بين الخاص والعام، كذلك الإجابة عن السؤال الذي طرحناه، تنبثق لدى كل شاعر من تجربته الخاصة في الكتابة، لتحاول أن تقدم نموذجا من نماذج التجدد الذي يسعى إليه الشاعر، ويقلقه على الدوام.
أعمق ما يعيشه الشاعر، وأكثره متعة، بعدما تأتيه العبارات الأولى وقبل أن ينتهي إلى العبارات الأخيرة
فالشاعر، فيما هو يحيا طقوس الكتابة، يجد نفسه مسكونا بهاجس التجدد والبحث عنه. يجد نفسه مأخوذا بالريبة إزاء ما يفعله أو سيفعله. ففي أثناء الكتابة، تعصى عليه الخطط أو التنظيرات المتعلقة بتجديد هنا أو ابتكار هناك. فمن طبيعة الشعر والكتابة الشعرية النفور من الخطط والتنظيرات. ولهذا، يكون الشاعر في أثناء الكتابة مسكونا بهاجس تجدد لا يعرف كنهه، وإنما يحدس به أو بإشاراته الغامضة. وإذا شاء بعد ذلك أن يتبصر في معنى التجدد وكيفيته، فليس له إلا النظر في ما فعله سابقا، أي في كتاباته التي تجمعت له، ومن ذلك يمكن أن تأتي إجابته عن سؤالنا.