أين هو الجيد في الشعر الحديث؟

أين هو الجيد في الشعر الحديث؟

استمع إلى المقال دقيقة

كميات هائلة من الكتابات ظهرت باسم الشعر الحديث، على مدى أكثر من سبعة عقود مضت، لا تتناسب أبدا مع ما تخللها من نوعيات جيدة قليلة جدا، بل نادرة. كيف نبحث عن ذلك الجيد النادر؟ وهل نجد في الدراسات النقدية والمقالات والتنظيرات التي واكبت شعرنا الحديث عونا لنا في هذا البحث؟

أظن أن المهمة ليست بالهينة. فالمقاييس والمعايير التي من شأنها أن تساعد على التمييز بين الجيد والرديء شبه غائبة. والسائد في الساحة الشعرية العربية هو حالة من الفوضى والاختلاط والتشوش. وقارئ الشعر لا يجد ما يجذبه أو يضيء له الطريق. ولهذا، فإن القارئ شبه غائب هو الآخر. أين نجد ذلك الجيد النادر في الشعر العربي الحديث؟ هل هو مطموس أم غير ملحوظ؟ كيف نضعه في الواجهة، وفي متناول القراء؟ من جهتي، أميل إلى القول إن ذلك الجيد النادر قد طغت عليه ظاهرتان جعلتاه كالمطموس، أو تركتاه مختلطا بالرديء أو العادي، بحيث لا يستطيع القارئ أن يتبينه.

الظاهرة الأولى تتمثل بالتعاظم الكمي في كتابة الشعر، أو بالأحرى في الكتابة باسم الشعر. فليس هنالك أكثر من الذرائع التي يتخذها الكتاب للانخراط في ميدان الكتابة الشعرية. والكثيرون من هؤلاء الكتاب يحسبون أن التحلي بمقومات أساسية ليس ضروريا، وإنما التخلي عن بعض هذه المقومات هو الضروري. كثيرون من كتاب الشعر عندنا يعرفون مدى ضعفهم في اللغة، ولا يجدون ضيرا في ذلك، بل يتباهون به أحيانا! وكثيرون منهم لا يعرفون شيئا عن أوزان الشعر العربية، ولا يجيدون قراءة التراث الشعري، ثم لا يجدون ضيرا في ذلك، وإنما يعدونه مظهرا من مظاهر التغيير أو التجاوز.

هكذا تكاثرت الادعاءات وانكمشت الكفاءات وانعدمت الضوابط الفنية، وغدت الكتابة الشعرية مستسهلة جدا، خصوصا لدى المدعين والمتطفلين. وما أكثرهم! هنا، لا أريد أن يفهم قارئ هذه المقالة أنني أدعو إلى وضع حدود أو مقاييس نهائية للشعر. لا أريد ذلك، وإنما أرمي إلى القول إن كتاب الشعر ينبغي لهم أن ينطلقوا من امتلاك واضح لأدوات التعبير، ومن استيعاب عميق للتراث، لكي يستطيعوا بعد ذلك أن يغيروا وأن يرتادوا آفاقا جديدة، وأن يبتكروا طرقا جديدة بحرية كاملة. في هذا الوضع الذي تسوده الفوضى، وتطغى عليه الرداءة والادعاء والتطفل والاستسهال، كيف يمكن للجيد النادر أن يشق طريقه لكي يتصدر المشهد؟

الظاهرة الثانية تتمثل بالتعاظم الكمي في كتابة النقد، أو بالأحرى في الكتابة باسم النقد. فليس أكثر من الدراسات النقدية التي تناولت هذا الشاعر أو ذاك، مدعية الأخذ بمنهج أو بآخر. إلا أن هذه الدراسات لم تسهم في الغالب في إيضاح المشهد الشعري، بقدْر ما ساهمت في تشويشه، لأنها هي في ذاتها مشوشة أو ضائعة.

في العقود القليلة الماضية، كان التنظير النقدي في جانب كبير منه نوعا من الهذر أو العبث. فهو تنظير للشعر لا يستند إلى تحقق شعري. وكثيرون من كتاب الشعر حسبوا أنهم يحققون الشعر إذا ما حاولوا "ترجمة" النظريات في نصوصهم، أي إذا ما حاولوا الاقتداء في كتاباتهم بهذه النظرية أو تلك، فجاءت النتائج هجينة أو رديئة أو مضحكة. ولما كانت الحركة النقدية ضعيفة وقاصرة، فإنها لم تهتد إلى التمييز بين الحقيقي والمفتعل، وأهدرت الجهود في الكلام على مستويات ثانوية في النصوص الشعرية. فقد انصبت الجهود النقدية في معظمها على استنطاق الشعر، أي على مواضيعه، وليس على الكيفيات أو الطرائق التي تم بها تناول تلك المواضيع. وقد حدث في مجال النقد ما حدث في مجال الشعر من دخول الكثيرين ممن لا يملكون الحد الأدنى من المقومات الضرورية للمهمات التي يتصدون لها.

تكاثرت الادعاءات وانكمشت الكفاءات وانعدمت الضوابط الفنية، وغدت الكتابة الشعرية مستسهلة جدا، خصوصا لدى المدعين والمتطفلين

هاتان الظاهرتان اللتان توقفنا عندهما ساهمتا إلى حد بعيد في طمس الجيد، القليل جدا أو النادر، في شعرنا الحديث، الذي كان لا بد له من الظهور تعبيرا عن الرغبة في التغيير، وفي توسيع آفاق القول والفكر. والكلام على هاتين الظاهرتين لا يكفي للإحاطة بموضوعنا، بل هنالك عوامل وأسباب متنوعة تجعل الكشف عن الجيد في شعرنا الحديث أمرا ليس بالمتيسر، إلا لبعض العاملين في حقل الكتابة الشعرية، أي لبعض الشعراء الذين يملكون القدر الكافي من الكفاءة والرهافة. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن العاملين في حقول النقد والأبحاث والدراسات المتعلقة بالشعر، عليهم أن يتمتعوا، هم أيضا، بالكفاءة والرهافة والذوق وحسن الاختيار. وهذا ما نفتقر إليه في أيامنا، بل نشكو من غيابه، ومن ضحالة الأبحاث والدراسات بعامة، والجامعية منها بخاصة.

من حيث المبدأ، ينبغي لناقد الشعر أن لا يقل عن الشاعر ثقافة واطلاعا ومعرفة بأسرار العملية الشعرية، وبمزايا التأليف الشعري، وبالمستويات البلاغية والموسيقية والبنائية التي تكون هذا التأليف. لا بل يمكننا القول إن على الناقد أن يفوق الشاعر في كل ما ذكرناه، لكي يكون قادرا على تناول أشعاره وتحليلها والحكم عليها والتمييز بين بعضها وبعضها الآخر.

ربما يصح القول في هذا السياق أننا نحتاج إلى تطوير جذري للطرائق التعليمية المتبعة في بلداننا العربية، وخصوصا في ما يتعلق بالشعر وباللغة العربية. وذلك على نحو يسمح بظهور القارئ والناقد، ويفتح الطريق للجيد من الكتابات الشعرية.    

أخيرا يمكننا القول: سيبقى القليل الجيد من الشعر الحديث. ولكن لا يكفي أن نقول ذلك، علينا أن نجترح الوسائل الكفيلة بالكشف عنه، وبتحريره من طغيان الرداءة والفوضى.

  

font change

مقالات ذات صلة