"حزب الله" وحقنا في الحياة

لم تترك الجماعات المسلحة المؤتمرة بالعصبية الأهلية والمصالح الخارجية فرصة لبروز أي إجماع لبناني حول فكرة أو مشروع أو حتى فرد

"حزب الله" وحقنا في الحياة

استمع إلى المقال دقيقة

لا وصف للغضب والحزن واليأس الذي يعصف بالروح. لا حدّ للإهانة التي تلطخ الوجه. لا قعر لمذلة تعتصر الصدر وغصة تخنق الكلمات. "الدبابات الإسرائيلية تتقدم على ثلاثة محاور" داخل الأراضي اللبنانية. عود على بدء في دائرة الاجتياحات والاحتلالات والقتلى والجرحى والدمار.

بعد 26 عاما على انسحاب آخر جندي إسرائيلي من لبنان، عادت "الدبابات الإسرائيلية لتتقدم على ثلاثة محاور"، وربما أربعة أو خمسة. هناك من أعاد بلدنا إلى الوراء بغمضة عين أو كبسة زر. هناك من أضاع تضحيات الآلاف الذين بذلوا أرواحهم وأعمارهم وأملاكهم ليستعيدوا قراهم وبساتينهم وضيعهم وسيرَ حياة أرادوها عادية بأعيادها وأيامها وأحلام صغارها.

ومن نكد الزمن على لبنان، أن يخرج نكرة من نكرات "حزب الله" ليعلن "الحرب المفتوحة" على إسرائيل، فيما هو لا يستطيع أن يضمن وصوله إلى ملجأ آمن. سيقولون إنه يطلب الشهادة، مثلما طلبها سيده السابق ومرجعه. جيد، لكننا لسنا شركاء في هذا الطلب.

لقد أوغلت هذه الجماعة بدماء بيئتها وجماعتها وطائفتها قبل غيرها من الجماعات والطوائف. ودمرت- في سبيل ولائها الأعمى لسادتها في طهران- الشيعة قبل غيرهم من اللبنانيين. وتبدو المبررات التي يسوقها متحدثو "الحزب" وصغار كتبته ومهرجيه على السوشيال ميديا، مستلة من كتاب للكوميديا السوداء، حيث يحل الضحك على الدرك الذي جرّ هؤلاء لبنان إليه، بدل البكاء الواجب.

وليس هناك ما يستحق الرهان عليه أو بناء آمال زائفة حوله. لقد استرجعنا الاحتلال بأيدينا وعيوننا مفتوحة على اتساعها. لقد بذلنا جهدا لنقنع الإسرائيليين بأننا لا نقيم وزنا لمصلحة بلدنا ومستقبله وشعبه. وأن حقولنا وأشجارنا ومنازلنا التي تعب أهلنا في تحصيل ثمن حجارتها، مباحة له ولكل جنونه ساعة يشاء ويرغب.

لقد أظهرنا كل ما كان يأمله أكثر الأعداء لؤما لإثبات أننا لا نستحق الحياة وأن لا مانع عندنا من إهدار كرامتنا ورمي عائلاتنا المرة بعد الأخرى في قوافل الترحال على طرقات يحرثها رصاص الكراهية والموت، كرمى لنظام أجنبي أعمت دهاقنته العجرفة والتطرف وجنون العظمة فيما فشلوا في تأمين الخبز لشعبهم البائس.

لا مجال لنفي إدراك قيادة "حزب الله" لكل التبعات التي كانت ستجلبها فعلتهم الحمقاء. كان "الحزب" يعرف عمق الضرر وحجم المأساة التي ستنزل باللبنانيين كلهم. لكنه لم يبال أو يأبه

وخدّرنا أنفسنا بخطابات بلهاء عن "لبنانية حزب الله" وانضوائه في نهاية المطاف تحت لواء المصلحة الوطنية العليا وتقديمه هذه الأخيرة على ما يأتيه من أوامر "بظروف مختومة من إيران" على ما كان يقول رئيس حركة "أمل" نبيه بري (رئيس البرلمان لاحقا) أثناء الحرب الشيعية-الشيعية التي رعاها حافظ الأسد في دمشق وعلي الخامنئي في طهران واللذان لم يعرف عنهما أي قدر من الاحترام للبنانيين لا كشعب ولا كدولة مستقلة ذات سيادة. وهما وما يمثلان شريكان للإسرائيليين في تدمير بلدنا وفي تحطيم آفاق نهوضه بالتضامن والتكافل مع رعاع الحروب الأهلية والفساد المعمم والنهب الشامل.
لم تترك الجماعات المسلحة المؤتمرة بالعصبية الأهلية والمصالح الخارجية فرصة لبروز أي إجماع لبناني حول فكرة أو مشروع أو حتى فرد. حتى محاولات إحياء حركة ثقافية رصينة كانت تتعرض لقمع متنوع المصادر. 
المجتمع اللبناني تعرض إلى التجويف ثم التجريف ووجد مئات الآلاف أنفسهم يُطردون فعليا من بلدهم بسبب سيادة قانون الغاب وتسلط الميليشيات التي استتر بعضها برداء الدولة. 
فوق كل ذلك، نتبجح بشن "حرب مفتوحة" على إسرائيل ونقول إن المقاومة حق مشروع ما دامت أرضنا محتلة. لكن من المسؤول هذه المرة عن جلب المحتل؟ من استدعاه ومهد له الطريق بصواريخ لا تنفع حتى كخردة؟ لا مجال لنفي إدراك قيادة "حزب الله" لكل التبعات التي كانت ستجلبها فعلتهم الحمقاء بإلقاء تلك الصواريخ. كان "الحزب" يعرف عمق الضرر الذي سيُلحقه بشيعة الجنوب وبضاحية بيروت وحجم المأساة التي ستنزل باللبنانيين كلهم. لكنه لم يبال أو يأبه. 
لم يأبه ليس لأن شيئا فاته في حساب رد الفعل الإسرائيلي المتوقع والمعروف. بل لأن حياتنا وحياة أبنائنا ومستقبلهم واستقرار بلدنا وازدهاره أمور لا تعني له شيئا أو بالأحرى لا تعني شيئا لمجموعة القابعين في ملاجئ طهران. 

ربما حان الوقت لانتزاع حقنا في الحياة بأيدينا.

font change