يعود شهر مارس/آذار في فرنسا هذا العام كما منذ سبعة وعشرين عاما محملا بطقس ثقافي يتمثل بلقاءات وقراءات وحوارات وندوات شعرية تشمل البلاد كلها في تظاهرة "ربيع الشعراء"، والتي يمكن تسميتها سوق عكاظ فرنسا المعاصر.
المتأمل عن كثب والمشارك في ربيع الشعراء الذي ينطلق هذا العام حاملا ثيمة الحرية، يرى كيف يمد هذا الربيع كل عام يده بحرارة إلى الشعراء لكي يمدوا الحياة الثقافية في المدرسة والجامعة والمجتمع بدينامية عصرية جمالية خلاقة تردم الضيق الإنساني الجاثم، تنفض الغبار عن العلاقة بين الشعر والماضي، الشعر والحياة، الشعر والقارئ. فلا يبقى وقفا على القامات القومية في المناهج الدراسية، يخرج من بطولات التاريخ والرمزية يحيا في الواقع الحي.
لماذا الشعر؟ لماذا هذه الثقة به، فلا يدخل الجامعة والمكتبة فحسب، بل والمدرسة في جميع المراحل والأعمار؟
ليس اللجوء إلى الشعر بجديد في تاريخ الإنسانية، هو جزء من تاريخها، بل هو يكتب تاريخها. ربما من أجل هذا وفي عصر تتسارع فيه وتيرة الاستلاب والعولمة والتكنولوجيات، وتتسارع وتيرة الحروب كأنها جزء من لعبة التفوق التكنولوجي القاتلة، ويتراكم هذا التسارع حتى نكاد لا نستطيع فصل اليوم عن الغد، يمسك الشعر بإيقاع الزمن، في حوار دائم مع الحياة لخلق مساحات تتسع للسؤال وللجمال وللأمنية.
مع مرور الوقت صار جل نجوم التظاهرة من الشاعرات والشعراء، هم من القادمين من أرض الصراعات، ممن حملوا معهم جيلا بعد جيل ذلك التوق إلى الحرية والندية والعدالة والمساواة والمستقبل.
أبناء ذلك التاريخ وأحفاده يعودون إلى الحاضر، يعودون من المنفى إلى المنفى. يحملون في ضمائرهم تلك الـ"أنا"، التي تحكي قصة شعب بأكمله، ثقافته، قضاياه، تحكي الذاكرة الجمعية التي يستطيع الشعر أن يتقاسمها مع الآخر كرغيف الخبز.
هل يستطيع الشعر تحرير مساحات ذلك الصمت كي تنبت في هذا الصمت المشترك السعادة المفقودة؟ هل يستطيع تحرير الحرية من الشعارات؟
تتحاور اللغات الأم وتتجاور الترجمات والأصوات وتردف الواقع بالتجارب والقيم، ويختلط دم الإنسانية بحبر حكاياتها
مدهشة الحفاوة التي تستقبل فيها المدارس والأوساط التعليمية والتربوية والثقافية الشعراء الشباب خلال ربيع الشعر الفرنسي، إذ كثيرا ما يختار المدرسون الشاعر الذي سيقترحونه على طلبتهم. ثم يدرس الطلاب مع المعلم نبذة عن تاريخ وطن الشاعر الضيف، الموسيقى والسينما والثقافة والتاريخ السياسي ونظام الحكم والمطبخ، وإن تمكنوا نبذة عن البيئة الاجتماعية والعائلة التي قدم منها، يستعدون للقاء بأسئلة عميقة مستمدة من كل هذه التحضيرات ومن مسؤولية المعرفة.
يسأل الطلاب الشاعر: هل أنقذك الشعر من الديكتاتورية، من الإبادة، من الحرب؟ سؤال أجاب عليه شاعر من هاييتي وشاعرة من رواندا. وسألت طالبة في الجامعة شاعرا كاميرونيا عن شاعرته أو شاعره المفضل فقال: درويش. وشاعر من هاييتي قال: درويش وأراغون ونيرودا ولوركا وديريك والكوت وآنا أخماتوفا، وتصير الأحزان أكثر ثراء وشوارع الكون تمر في حروف الأسئلة التي تتكسر في القلوب وفي الأجوبة. درويش لهم كما نيرودا لنا. لهذا كان الشعر.
ترفد أصوات الشعراء المهاجرين والمنفيين والفرانكفونيين والفرنسيين هذا اللقاء الكبير. تتحاور اللغات الأم وتتجاور الترجمات والأصوات وتردف الواقع بالتجارب والقيم، ويختلط دم الإنسانية بحبر حكاياتها، المجاعات والشجاعات والأخلاق، تتجدد خلايا الحب وما ابتكر الشعر من تحديات وعاطفة.
لماذا يريد ربيع الشعراء أن يلتقي جمهوره بكلمات شاعرة من الكاميرون تصرخ في وجه التمييز العنصري، أو شاعرة فرنسية من المارتينيك يقاضي شعرها الاستعمار والمجازر السابقة. أهو العطش الذي من شأنه ربما جمع البلاد التي تحتاج ما يجمعها من حيث تخفق السياسة؟
يفتح الشعر النوافذ ويرتقي بالمعنى ويستدعي الجمال حين تطبق البشاعة. هكذا تعتذر الحياة أيضا، تعتذر عن الظلم بالتطهر من الظلم ربما.
يلجأ الناس إلى الشعر لأنه يحكي أحلامهم وانكساراتهم، حين تمر الحياة ثقيلة وبطيئة وتحمل في طياتها الخوف من الآتي والشعور بالعجز
يلجأ الناس إلى الشعر لأنه يحكي أحلامهم وانكساراتهم، حين تمر الحياة ثقيلة وبطيئة وتحمل في طياتها الخوف من الآتي والشعور بالعجز. الأجيال الجديدة أيضا تشعر بالعجز، وما من أحد يمتلك الجواب على هذا القلق الوجودي في ظل كل هذا التوحش والإبادة التي تمرغ أرض الواقع هناك بالقرب من هنا، والتي تمرغ الإنسانية هنا بالقرب من هناك. يكشف أحلامهم وانكساراتهم، ولا ينوب الشعر عن الناس في الكلام.
تدريب الحياة على الحياة، على الموت، على النجاة، على الفقر، على الوفرة، على الشجاعة، على الإنصاف، أو ربما هو مجرد أقوى احتمالات الأمل.
ذلك الصراع العميق والهبوب اللطيف الحار الحر في أعماق اللغة، الذي يستطيع تحرير مساحة صغيرة في الروح تتسع للأغنية.