اللواتي يقلن لا

اللواتي يقلن لا

استمع إلى المقال دقيقة

"الذين قالوا لا"، عنوان لافت لمشروع كتيبات صغيرة نشرتها دار نشر "آكت سود الفرنسية" موجهة لجيل الشباب. كتب صغيرة كتبها كتّاب تتضمن قصصا عن شخصيات عالمية مشهورة، قالت في لحظة تاريخية ما هذه الـ"لا".

لا، كانت ثمينة في وقتها ولا تزال كجوهرة سيبقى بريقها يضيء ويشحذ الهمم، كي لا تصاب الإنسانية بالأسى والإحباط والصدأ في الفترات الطويلة التي يطبق فيها الضيم الضارب الذي لا قدرة على صده. فتأتي قامة إنسانية تنتمي إلى قلب الجمال الإنساني، إلى الضوء الذي أسمته اللغات، الجسارة أو الحرية، وتقلب الموازين بـ "لا"، بموقف أخلاقي يبلوره مجمل السيرة الإبداعية، ليعيد للمهمشين قوتهم وامتلاك أرض الثقة، وللضحايا كرامتهم.

ما من أحد في خضم إعجابه والامتنان والافتتان بجسارة وموقف وحرية من قالت أو قال هذه الـ"لا" لم يتساءل كيف استطاعوا قولها؟ يخاطب الواحد منا نفسه. ثم لا نلبث أن نرى أننا أيضا قلناها عبرهم ومعهم وأن صوتهم صوتنا، وأن كل قيمة إنسانية هي رصيد الإنسانية جمعاء. وهذا الافتتان يعني أن هذه الـكلمة كامنة أيضا في كل منا. حيث لا تتشارك الإنسانية الشرور مع من يسحق أحلامها، لكنها تتشارك الجمال الذي يمدها بطاقته على الحب والمقاومة.

تضمنت قائمة "الذين قالوا لا" خمسين كتيبا لخمسين شخصية على مدى ثمانية عشر عاما منذ انطلاق السلسلة التي أشرفت عليها الشاعرة والكاتبة الفرنسية موريال زاك في 2008. شخصيات كثيرة: مانديلا الذي قال لا للتمييز العنصري، وغاندي الذي قال لا للعنف، وعبد القادر الجزائري الذي قال لا للاستعمار، والشاعر جاك بريفير الذي قال لا للأمر الواقع المفروض، وجان جوريس الذي قال لا للحرب، وفيديريكو غارثيا لوركا الذي قال لا للفرانكية، ودينيس ديدرو الذي قال لا للجهل، وإيميل زولا الذي أدان الخطأ القضائي في "أنا أتهم".. إلى آخر الأسماء الرفيعة التي تضمنها المشروع. قصص تروي حياة تلك الشخصيات وبداياتها التي قد تشبه بداية أي شاب يقرؤها. تساعد على تحرير الوعي على المحاكمة والقدرة على الحلم، وتفتح الأبواب الموصدة في وجه المستقبل الذي من الممكن أن يشارك فيه كل فرد.

تضمن المشروع أسماء نساء أيقونات كثيرات أيضا، كالمحامية والناشطة والنسوية التونسية الفرنسية جيزيل حليمي التي قالت لا لاغتصاب حقوق المرأة، وكان لها دور جوهري في تشكيل مسار حقوق المرأة في فرنسا، وامتد موقفها ليصير لا لكل اغتصاب، لا لاغتصاب الاستعمار الفرنسي للجزائر وتونس، وكتبت في 2014 موقفا مناصرا لنضال الفلسطينيين وضد الحرب على غزة واعتبرت القضية الفلسطينية قضية عادلة.

الفكرة بدأت حين سأل حفيد الناشر الفرنسي جده الناشر، فيما إذا كان شارل ديغول يمينيا أم يساريا؟ فلقي هذا السؤال صداه لدى الجد. وطلب من صديقته الكاتبة الفرنسية أن تفكر في الأمر فاقترحت تحمل مسؤولية السؤال وإضاءته عبر الأدب في سلسلة تتوجه للشباب وتتجاوز الحدود السياسية المصطنعة المعيقة للفكر والحرية والحلم. وضع تلك الشخصيات العالمية المنتقاة في المشروع في سياق حكايات تضيء تاريخها وتقربها من جيل من الشباب قد يجدون أنفسهم فيها. وضعها في إطارها التاريخي الإنساني الذي خلخل وفكك انغلاق اللحظة على ذاتها وفتح الأفق على الجسارة، على أن يمتلك الكل فردا فردا هذه الـ"لا".

هذا العنوان العريض الكبير، لا ينتمي إلى الماضي، بل يرن دائما كجرس في الحاضر. ليس بضاعة استهلاكية فيبطل مفعولها. هذه الـ"لا"، هي قيمة ونتاج وعي وفكر ونضال إنساني متواصل ومستمر يجسِّر التاريخ، ويصل الماضي بالمستقبل.

تقول المسؤولة عن السلسلة: كيف سينهض الكون إذا كنا نعتقد أن كل شيء فيه مغلق. وأنا بدوري وجدت نفسي في هذا المشروع وأردت أن تكون مشاركتي فيه بـ"اللواتي يقلن لا" ويقُمن بيننا في الحاضر: نساء سوريات في الحركة السياسية النسوية السورية، والمنظمات النسوية السورية الأخرى، كل نضال المرأة السورية وجسارتها عبر التاريخ البعيد والقريب في مقاومة الاستبداد وتحمل أثمان الثورة وكل أنواع الفقد. كل هذا هو "لا" تلك المرحلة النضالية التي تستمر الآن.

هذه الـ"لا"، هي قيمة ونتاج وعي وفكر ونضال إنساني متواصل ومستمر يجسِّر التاريخ، ويصل الماضي بالمستقبل

و"لا"، التي تطلقها الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي منذ روايتها الأولى "آلهة الأشياء الصغيرة"، وتلك التي لا تتوقف عن إطلاقها في وجه التشدد القومي في بلادها والعالم، والإضاءة على خطر المواجهات النووية بين الهند والباكستان، والتقهقر البيئي، وأخطار العولمة التي يصعب فرملتها مع الزمن. والقضية الأساس التي تشغلها وهي الديموقراطية في بلادها والعالم. وطالما شغلتها مواقف السياسة الأميركية من الإرهاب وتعاملها مع الإرهاب وإدارتها للتشدد بكل أنواعه. يتضمن كل هذا الخشية على مستقبل الكون.

هذه السيرة النضالية أوصلتها إلى انسحابها أخيرا من مهرجان برلين احتجاجا على كلمة فيم فيندرز بذاته وليس غيره بأن "على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة"، بما يؤدي إلى فصل الفن عن القضايا الإنسانية المحقة، فالفن حامل رئيسي لهذه القضايا، مما يصطدم مع كل تاريخها النضالي ككاتبة ومبدعة. وهي التي أدانت كناشطة إنسانية بنيةَ الترسانة الرأسمالية العالمية الجبارة التي تقف في وجه تدفق مياه العدالة إلى فلسطين.

وأخيرا، "لا" الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة المعلقة كقنديل على أرضها، وتشهد.   

الذين قالوا ويقولون "لا"، من الجنسين، لا حصر لهم، لا البارحة ولا اليوم ولا غدا.     

 

   

font change