حكاية عائلة

حكاية عائلة

استمع إلى المقال دقيقة

وكأن كل بداية هي البدء من جديد، طالما أن ما سيلي لا يزال مخفيا ولا تزال الاحتمالات تتأرجح بين الشك واليقين. المظالم لا تزال خفية والمسرات أيضا. حل شهر يناير/كانون الثاني، يانوس، إله البدايات والتحولات في تقاويم الميثولوجيا الرومانية القديمة، الذي يمتلك مفتاح البوابات المجازية بين ما كان وما سيأتي، والذي يرمز إلى المساحة الحدية للانتقال والخروج من فترة زمنية إلى أخرى جديدة، ومعه سيحل من جديد الأمل كأننا لا نريد أن نفسح المجال لليأس قط.

في حكاية عائلة الدكتورة السورية رانية العباسي بطلة سوريا سابقا في الشطرنج، التي اعتقلت وزوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة في مارس/آذار 2013، يستطيع المرء أن يستعين بهذه المقدمة الميثولوجية وقد حط يناير رحاله. عل هذا الدخول الجديد في هذا العام الجديد، يحمل ما يخفف القهر في هذا الملف العائلي وكل ملف مماثل ينتظر. لعل طرح الحكاية في هذا الشهر يحمل للأطفال في الحكاية فرصة النجاة والخروج من فترة زمنية إلى أخرى جديدة، من اليأس إلى الأمل.

فلا يزال ملف الأطفال المفقودين في سوريا والبالغ عددهم أكثر من 2400 طفلا، ملفا حارقا. الأطفال الذين اعتقلهم نظام الأسد الابن مع ذويهم واختفوا، منهم من كان طفلا وكبر الآن حيث هو، صار الولد شابا في الغياب وصارت البنت صبية.

يلجأ شعب تعرض لكل هذا الفقد في طريق البحث عن الحقيقة، إلى الله والعلم والفلك والقضاء والمحاكم الدولية والمحلية، كي يحتمل كل هذا الضيق، كي لا يتوقف البحث عن العدالة.

لا تزال العائلات أو من تبقى منها ينتظر حكم القضاء وتقارير الجهات الرسمية أو التحقيقات التي تديرها جهات متخصصة مشتركة دولية ومحلية، ومنها تحديدا الهيئة الوطنية للمفقودين التي تشكلت في سوريا بعد سقوط الأسد.

هذا الفقد شأن وطني عائلي، أفراده أطفال وأمهات وآباء وعمات وخالات وأقارب وجيران وأبناء وبنات الجيران. هو شأن أهلي اجتماعي، فيه أطفال تتراوح أعمارهم بين السنوات القليلة وتصل إلى سن المراهقة ومنهم من تخطى سن الرشد في الغياب. يحاول من تبقى من أفراد هذه العائلات، أن يحرس صور الأحبة وأسماءهم وأمكنتهم في الحياة كي يعودوا.

يلجأ شعب تعرض لكل هذا الفقد في طريق البحث عن الحقيقة، إلى الله والعلم والفلك والقضاء والمحاكم الدولية والمحلية، كي يحتمل كل هذا الضيق

هذا ما يقوم به أفراد عائلة الدكتورة رانية العباسي منذ ثلاثة عشر عاما، ولا يمضي يوم لا يرفع فيه شقيق رانية وشقيقتها، مطلبا أو نداء لمعرفة مصير الأطفال الستة بعد أن أيقنوا أن الأم والأب قد قضيا في السجن. فهما لم يظهرا مع من ظهر من السجناء بعد التحرير في ديسمبر/كانون الأول 2024.

يشعر الإنسان بتضامن وتقدير عال لهذا التفاني من أجل معرفة مصير أحبتهم، لجوئهم إلى القضاء والإصرار على حق المواطن في معرفة الحقيقة. ولا يمضي يوم لا يرفع فيه سوريون في أرجاء الكون صورة العائلة.

هناك صور كثيرة وحكايات كثيرة عن المغيبين قسرا في سوريا، ونستطيع مع الأسف سرد حكايات ربع مليون سوري مغيب، ومن بين هذه الحكايات حكاية هذه العائلة، حكاية أطفال الدكتورة رانية العباسي، البطلة الأولمبية السورية في الشطرنج. ولن تنتهي الحكاية قبل جلاء الحقيقة.  

يرفع السوريون صورهم منذ ثلاثة عشر عاما، صورة العائلة والأطفال الستة في حضن الأم والأب. صورة العائلة السعيدة الجميلة الضاحكة. نراهم كل يوم عشرات المرات، الصورة التي تتبادلها وسائل التواصل الاجتماعي. والأطفال معظمهم يلبس اللون الأحمر. لا تصدق العين أنهم مختفون قسرا. أعتقد أننا نعدهم لا شعوريا كلما نظرنا إلى الصورة، نتأكد أنهم ستة. الضحكة واحدة السعادة واحدة لكنهم ستة أطفال. نتوقف عند نظراتهم الحلوة، إنهم في كل مرة خمس بنات وولد. ديما، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، وليال الرضيعة في الصورة. لقد كبروا في الحكاية.

تقول الحكاية، نتيجة التقصي والبحث الذي أجراه شقيق رانية وشقيقتها بالتعاون مع الهيئة العامة للمغيبين، إن اعتقال الأطفال كان ممنهجا، كان النظام يعتقل الأهل وأطفالهم، ينتزع الأطفال من ذويهم ويسلمهم إلى دور أيتام، أو تتم المتاجرة بهم جنسيا أو بأعضائهم أو يتم تجنيدهم في الجيش بالنسبة للذكور.

بلاد بأكملها تبحث عن نهاية لمأساة المغيبين ولهذه المأساة. يشعر الخال والخالة، شقيقا الدكتورة رانية، بإحساس عميق يستند إلى وقائع وآثار وحكايات، بأن الأطفال على قيد الحياة.     

بدأت كاميرات المحطات المتلفزة تدخل بيت العائلة المغيبة. وبدأت تفاصيل أخرى وعناصر أخرى تتداخل في الحكاية، مثل الغبار الذي يملأ البيت، والزمن الذي ينتظر.   

ولدت الدكتورة رانيا العباسي في 20 يناير/كانون الثاني 1970، تقترب الحكاية من يوم مولد بطلتها الخامس والخمسين.

بدأت كاميرات المحطات المتلفزة تدخل بيت العائلة المغيبة. وبدأت تفاصيل أخرى وعناصر أخرى تتداخل في الحكاية، مثل الغبار الذي يملأ البيت، والزمن الذي ينتظر

ومن تفاصيل السرد المحيرة، التفاصيل التي أشعلت فكرة الكتابة عن هذه الحكاية الآن، بالإضافة إلى ميلاد الدكتورة رانية، هو وصيتها التي نشرت وكانت وقعتها بيدها في يناير 2006: "الذهب أرجو بيعه ووضعه في بناء مسجد يتم تعميره، فإن لم يوجد مسجد يعمر فوضع المال في جمعية لليتامى". أتكون الأم أعالت أطفالها الستة في دار الأيتام حيث كانوا؟

أين أطفال الدكتورة رانية؟ أين أطفال الحكايات كلها؟  

font change