حين أعلن في العاصمة الفرنسية نبأ رحيل الشاعرة والروائية والمترجمة الفرنكفونية، الفرنسية-اللبنانية، فينوس خوري-غاتا في منزلها الباريسي يوم 28 يناير/كانون الثاني 2026 عن 88 عاما. لا أعلم لم استحضرت اللحظة كاتبة كبيرة أخرى، نجمة من نجوم الفرنكو–أنكلوفونية، هي إيتيل عدنان التي فارقتنا قبل أربع سنوات فقط في منزلها الباريسي أيضا. نجمتان تنتميان إلى الثقافة العربية، كتبتا بلغة أخرى، وكلتاهما ذابتا في المنفى.
كتبت فينوس خوري بالفرنسية، لكن اللغة العربية سكنت لغتها الفرنسية، وإيتيل عدنان الشاعرة والرسامة التي كتبت بالفرنسية والإنكليزية، كانت تصر على أنها ترسم بالعربية. كانت الكاتبتان في الحياة وفي الرحيل علامتين إبداعيتين فارقتين في صفحات الأدب الفرنكفوني المعاصر والأنكلوفوني أيضا، ساهمتا بثرائهما، وموقعهما في المشهد الثقافي الفرنسي دلالة على تنوع هذا المشهد وهوياته المتعددة المنفتحة على التجدد.
كتبت عنهما أرفع الأقلام في منفاهما الاختياري، وحظيتا بأرفع الجوائز الإبداعية والاعتراف والتقدير. كلتاهما كانتا مأخوذتين بهموم الشعر والفن والثقافة والالتزام بالحرية والجمال والمنفى الإنساني الوجودي، مع الإقرار باختلاف الإسلوب ونمط الحياة وفرادة كل منهما وتميزها في حقلها الإبداعي وطريق التزامها الفكري والسياسي.
كتبت فينوس خوري بالفرنسية، ذاكرة المكان وآلام الرحيل وثيمات المنفى والهوية والذاكرة والعنف والموت، لغة فردية مفتوحة على الكون. نرى حجم الجهد الذي بذله المبدع بعد رحيله حين يتنحى جسده عن الحضور ويتقدم في الحضور الأثر. هذا الاغتراب الإبداعي جسر البعد بين لبنان وباريس، جعل من كتابتها مرآة متجددة للذات.
يشعر المرء بفخر جراء هذا الحشد من الوداع والتقدير والأقلام التي تكتب في وداعها، هذا الفخر بسيرة المرأة الكاتبة وجسارتها وانكساراتها. كانت خوري تبني في كتابتها جسرا بين الشرق والغرب، بين المنفى والحنين، بين الحياة اليومية والحلم الشعري.
نالت أرفع الجوائز الفرنسية الأدبية ومن بينها جائزة "غونكور" للشعر عن مجمل أعمالها، ما وضعها في مصاف الشعراء الكبار المعاصرين. وطالما تباهت في لقاءاتها بأنها ابنة بلدة بشري، بلدة جبران خليل جبران.
كانت خوري تبني في كتابتها جسرا بين الشرق والغرب، بين المنفى والحنين، بين الحياة اليومية والحلم الشعري
قضت حياتها في العمل وتركت لقرائها الكثير من المجموعات الشعرية، والأعمال الروائية والمجموعات القصصية. وأرادت أن تحول التجربة الشخصية والفقد، إلى لغة تتجاوز كل الحدود وتخاطب القارئ أينما كان.
استقت كتابتها من ذاكرتها الشخصية وثقافتها الكونية، وأنصتت إلى مصائر الكائنات المسحوقة. وقد تبلور مشروعها الأدبي في رحم قصص إنسانية عائلية اختلطت بقصة الحرب الأهلية اللبنانية وحروب الكون وقصص أهله، وجاهرت بموقفها وبضرورة رفض الحدود بين الثقافات معتبرة ذلك ضرورة لبقاء الأمل.
في أدبها تأسيس لحوار متواصل غذته مخيلة خصبة استمدت مادتها من الثقافة العربية، من الواقع اللبناني ومن الأدب الفرنسي والأسطورة اليونانية. كانت تكتب بالفرنسية وعينها على العربية كما صرحت في معظم مقابلاتها ولقاءاتها.
لم تكن الكتابة بالنسبة إليها ترفا جماليا أو لعبة لغوية، فقد كانت ضرورة وجودية، ووسيلة للبقاء وفعلا من أفعال مقاومة الانهيار الداخلي، هكذا صرحت الشاعرة مرارا، مؤكدة أن الكتابة أنقذتها من اليأس والجنون والوحدة.
مع اندلاع الحرب اللبنانية وجدت نفسها في مواجهة لحظة تاريخية كبرى، إذ استقرت في باريس، حيث كتبت معظم أعمالها. فاختارت أن تكتب بالفرنسية وكأنها تعبر حدودا خفية مع كل جملة من العربية إلى الفرنسية، فلغة موليير ليست بديلا عن العربية، إنها الفضاء الجديد لإعادة تشكيل الذات والذاكرة والهوية، لغة الآخر التي استطاعت التعبير من خلالها عن جراح الروح وندوبها العميقة، بفضل ما تختزنه من طاقات لغوية شعرية.
وظل لبنان جرحا مفتوحا، وذاكرة جماعية، وعالما رمزيا تتقاطع فيه الأسطورة بالتاريخ، والعائلة بالحرب، والخاص بالعام، فكانت تعود إليه، مشدودة بخيط الكتابة، رغم الألم والحزن والغضب، وأحيانا الشعور بالذنب. ولئن كانت كتاباتها الشعرية والروائية استعادة للماضي، فإنها نجحت في ربط الحاضر بالماضي، وشرق الطفولة بغرب الإقامة.
تكمن قوة مشروعها الأدبي في محاولتها على الجمع بين الخصوصية والكونية، فهي تكتب عن لبنان، لكنها تكتب في الوقت عينه عن المنفى الإنساني، وعن العنف بوصفه بنية عالمية، وعن اللغة بوصفها البيت الإنساني. لغتها الفرنسية تحمل إيقاعات العربية، وتستبطن خيالا شرقيا واضح المعالم. وبرحيلها يطوى فصل من فصول الأدب اللبناني في المهجر.
هي كاتبة تشكلت في المنفى والمنفى كان امتدادا مؤلما للانتماء. في كتابتها يظهر الوطن كذاكرة وكأسئلة لا تهدأ، وكحالة نفسية ترافق الكاتبة.
إقامتها في باريس تركت أثرا واضحا على أسلوبها ورؤيتها. المدينة التي احتضنتها لم تبتلع هويتها، بل شكلت فضاء مفتوحا للتفاعل الثقافي. في نصوصها، يمكن تلمس هذا الحوار بين المكانين: بيروت وباريس، الشرق والغرب، اللغة الأم واللغة المكتسبة. هذا الحوار لم يكن دائما متوازنا، بل كان مشحونا بالتوتر والأسئلة، وهو ما منح كتابتها عمقا وتفردا.
فينوس خوري التي كتب لها الشاعر الفرنسي إيف بونفوا: "لا أجد أحدا يحمل الشعلة من بعدي سواك"، تبتعد عن التجريد في الشعر ولا تكتفي بالتعبير الجمالي، إنها تحكي حكاية. قصيدتها تحكي حكاية تبدو بسيطة لكنها محملة بدلالات عميقة. قصة حياة امرأة .
أضاءت في تجربتها على أدب المنفى، معيدة تعريفه بصوتها المعاصر، بلغتها الخاصة، وبحساسيتها الشعرية
أضاءت في تجربتها على أدب المنفى، معيدة تعريفه بصوتها المعاصر، بلغتها الخاصة، وبحساسيتها الشعرية، وبأسئلة إنسانية صغيرة وكبيرة وشائكة، منها الفقد. أسئلة ظلت مفتوحة حتى رحيلها.
أكثر ما كانت تخشاه الوحدة رغم الأضواء والشهرة والمكانة الأدبية، تحكي أنها حين حجزت تربة لها في فرنسا لتدفن فيها، عرضوا عليها مكانين لشخصين.