لم تكن صورة الطفل السوري المحرر أخيرا من سجون "قسد" في الرقة والتي تناقلتها الشاشات وصفحات التواصل الاجتماعي، وهو يحاول الطيران بعد تحريره كي يبتعد عن السجن ما استطاع، هي الوحيدة لطفل اعتدي على طفولته وحياته.
فلا تنجو صور الأطفال في الحروب من استخدامها كرمز في الحروب الإعلامية. قد نكون اعتدنا قليلا على فظاعات الحروب، لكننا لا يمكن أن نعتاد انتهاك حياة طفل. هذا يدخل الضمير الإنساني في مأزق مع إنسانيته. ومن المخزي والمخجل والعار أن نشهد كيف تساق الطفولة كرهينة حرب سياسية.
ظاهرة استخدام الأطفال في الحروب هي أحد أكثر الانتهاكات فداحة لحقوق الإنسان لما تحمله من تدمير جسدي ونفسي مديد في الأجيال المقبلة. وكانت السينما في بعض الأحيان عينا حقيقية للحقيقة ولرصد هذه الكارثة وفضحها واستنكارها وتعريتها، أو لاستغلالها تجاريا في أفلام العنف. عكست بعض الأفلام ما تتعرض له طفولة العالم في حروب العالم. في نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت حكاية الفيلم المتحرك الياباني "قبر اليراعات" للمخرج إيساو تاكا هاتا مثالا على جور الحروب على طفولة البشرية. من منا لم يرج أن لا تنتهي حبوب الحلوى في العلبة التي تركتها الأم لطفلتها. اللجوء إلى سحر الأشياء البسيطة التي تشد إلى الحياة في ظرف لم يكن سوى ما بعد قنبلة هيروشيما.
أما الفيلم الروسي "تعال انظر" لمخرجه إليم كليموف، فيعرض الآثار المدمرة للفاشية والاحتلال النازي من خلال عيني الطفل البيلاروسي فلوريا الذي يتغير من وجه طفل إلى وجه آخر في آخر الفيلم، وجه القاتل والقتيل معا في وجه عجوز محطم، طفل شوهت الحرب روحه ووجهه إلى الأبد.
كما يرصد فيلم "وحش بلا وطن" لجوجي فوكو ناجا، رحلة طفل في غرب أفريقيا ينتزع من طفولته ويعاد تشكيله ليصبح أداة قتل بعد مقتل أبويه.
لا يستخدم الأطفال في الحروب مقاتلين فحسب، بل جواسيس وحمالين وطهاة ودروعا بشرية وأجسادا للاغتصاب وإشباع سادية الحروب
لا يستخدم الأطفال في الحروب مقاتلين فحسب، بل جواسيس وحمالين وطهاة ودروعا بشرية وأجسادا للاغتصاب وإشباع سادية الحروب. وقد ركز الفيلم الفرنسي الليبيري "جوني الكلب المسعور" لجان ستيفان سوفير، على الحرب الأهلية في أفريقيا عبر بلد غير محدد ليكون جوني قائدا لعصابة للأطفال تقوم بأعمال قتل وتنكيل متوحشة.
وفي سوريا ناهضت الكثير من الأفلام عنف الحروب، وكان فيلم أسامة محمد "ماء الفضة" عن سنوات الحرب الطويلة التي بدأها النظام ضد السوريين في 2011. يرى الطفل عمر وردة برية وتدهشه الوردة. الوردة في مقابل البراميل المتفجرة.
وكانت حكايات تجنيد الأطفال في سوريا والعراق من قبل تنظيم "داعش" محط خوف عميق على الطفولة. كما تجنيد القاصرات من قبل "قسد"، بعيدا عن أحقية حقوق الكرد كمواطنين سوريين والمظالم الكبيرة التي لحقت بهم في عهد نظام الأسدين.
ورغم القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، فلا يزال الواقع يشير إلى فشل جماعي. وهو ما يجعل مصير الأطفال في الحروب معيارا كاشفا عن انعدام أخلاقية هذه الحروب وإنذارا كونيا مفتوحا على احتمالات قاسية.
في العودة إلى سوريا التي بدأ المقال بأحد أطفالها المحررين من السجون، فقد شهدت بدايات انتهاك الطفولة الممنهجة فيها في 1974 مع تأسيس "منظمة طلائع البعث" التي استقاها الأسد الأب آنذاك من تجربة كوريا الشمالية.
كان المشهد السياسي والاجتماعي مرتبطا بشكل جوهري بحزب "البعث العربي الاشتراكي" الذي تولى السلطة في انقلاب 1963، وتبعه انقلاب الأسد الأب في 1970، الذي حدد مسارا مختلفا في إدارة الشؤون الاجتماعية والسياسية في سوريا، وأصبحت فلسفته وقواعده التنظيمية جزءا أساسيا من أسس حكم المجتمع السوري. كان زمن الحزب الواحد التابع للنظام السياسي الشمولي الذي أقامه نظام الأسد في البلاد وأراد عبره أدلجة المجتمع السوري وتدجينه على الولاء الأعمى. وقد سيطر هذا النظام على العملية التربوية والتعليمية عبر منظمات تلزم الطلاب بالانتساب إليها في عملية عسكرة المجتمع، كـ"اتحاد شبيبة الثورة"، و"اتحاد الطلاب"، و"طلائع البعث".
كان انتساب الطفل إلى "منظمة الطلائع" يبدأ مع الصف الأول الابتدائي ويستمر حتى نهاية المرحلة الابتدائية. وكانت هذه المنظمة تدفع بالأطفال نحو ممارسة نشاطات "طليعية" والمشاركة في معسكرات تدريب، فيخرج الطفل جنديا صغيرا في هرم نظام الأسد وبنيته الأيديولوجية. وكانت العائلة والمجتمع يلعبان دورا كبيرا في مقاومة هذا التجنيد الإجباري في كافة مراحله. وقد رصدت السينما السورية عمق هذه الظاهرة في فيلم عمر أميرالاي "طوفان في بلاد البعث".
لا تزال السجون في هذا الكون مغلقة على أطفال أحياء وعلى من غاب وعلى الكثير من العنف، وعلى ما لم ينته وما لم يبدأ من الحروب
أما في فلسطين، فكان فيلم "صوت هند رجب" للتونسية كوثر بن هنية، هو صوت أربعين ألف طفل فلسطيني قتلوا في حرب الإبادة على غزة خلال العامين الفائتين.
ولا تزال السجون في هذا الكون مغلقة على أطفال أحياء وعلى من غاب وعلى الكثير من العنف، وعلى ما لم ينته وما لم يبدأ من الحروب.
ولا تزال السينما والفنون والإبداع، تحمل صوت العدالة والجمال وتقتحم المحظورات لتحرر ما استطاعت طفولة الحياة.