في ظل إصرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تدمير جميع القدرات العسكرية الإيرانية ضمن "عملية الغضب الملحمي"، فإن الخيار الواقعي الوحيد أمام النظام الإيراني لإنهاء القتال هو تهديد الاقتصاد العالمي.
ومع أن النظام الإيراني لا يزال قادرا على شن هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ في محاولة للدفاع عن نفسه في مواجهة الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة، فإن الشكوك تتزايد بشأن قدرته على مواصلة هذه العمليات، في ظل الهدف المعلن لإدارة ترمب، وهو تدمير جميع القدرات النووية والعسكرية الإيرانية.
كان الرئيس ترمب قد أعلن بالفعل أن دفاعات البلاد الجوية، وسلاحها الجوي، وبحريتها، وقيادتها "قد انتهت"، مما منح الولايات المتحدة وإسرائيل حرية شن ضربات جوية على أهداف رئيسة متى شاءتا.
وانشغلت إسرائيل، على وجه الخصوص، باستهداف عدد من منشآت النظام الأساسية، بينها مكتب الرئاسة الإيراني، ومجمع نووي سري، وأحد قادة "الحرس الثوري" في طهران، فيما قال الجيش الأميركي إنه دمّر منشآت قيادة، ومواقع لإطلاق الصواريخ، ومطارات.
وتعرّضت البحرية الإيرانية لضربات قاسية على نحو خاص، إذ أفادت تقارير بأن ما لا يقل عن 11 سفينة حربية إيرانية تعرّضت لهجمات خلال الأيام الأخيرة، مع استهداف قواعد صاروخية ومواقع نووية أيضا.
وتُظهر صور أقمار صناعية لقاعدة كونارك البحرية الجنوبية، ومنشأة بندر عباس الواقعة على مضيق هرمز، التي تضم مقر قيادة البحرية الإيرانية، تصاعد دخان كثيف من عدة سفن.
وكان ترمب قد تباهى سابقا بأن "تدمير" البحرية الإيرانية شكّل أحد الأهداف الثلاثة الرئيسة لواشنطن في هذا النزاع، فيما أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن غواصة أميركية أطلقت النار على سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي يوم الأربعاء.
مع عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية عبر المضيق، يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن إغلاق هذا الممر المائي يمنحهم القدرة على ابتزاز العالم الخارجي
ومن بين السفن الحربية الإيرانية التي دمّرها القتال حتى الآن السفينة "إيرينس مكران"(IRINS Makran)، وهي أكبر سفينة بحرية إيرانية، وكانت تؤدي دور حاملة طائرات مسيّرة. وأظهرت صور أقمار صناعية تصاعد دخان أسود من السفينة، التي كانت راسية في قاعدة بندر عباس.
ولم تعلّق السلطات الإيرانية على الضربات، لكن الهلال الأحمر قدّر مقتل ما لا يقل عن 780 شخصا منذ بدء العملية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة يوم السبت.
وردّت إيران بشن هجمات دامية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أميركية. ولكن مع إعلان عدد من الدول الأوروبية نيتها نشر قوات عسكرية إضافية في المنطقة، ستزداد صعوبة مواصلة الإيرانيين هجماتهم كلما طال أمد النزاع.
ولهذا السبب يركّز أركان النظام الإيراني الآن اهتمامهم على الممر المائي بالغ الأهمية، مضيق هرمز، وهو أحد أهم مسارات الشحن في العالم. وعلى مدى عقود، أعدّت طهران خططا لإغلاق المضيق إذا انخرطت إيران في نزاع واسع مع الغرب.
وكانت آخر محاولة إيرانية لإغلاق هذا الممر المائي في أواخر الحرب العراقية-الإيرانية خلال ثمانينات القرن الماضي، حين استهدف "الحرس الثوري" حركة الشحن في الخليج في محاولة لعرقلة التجارة العالمية. ومنذ ذلك الوقت، كثّف النظام استثماراته في تطوير أنظمة تسليح جديدة، منها الصواريخ المضادة للسفن، التي يمكن نشرها لاستهداف السفن في المنطقة.
ومع عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية عبر المضيق، يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن إغلاق هذا الممر المائي يمنحهم القدرة على ابتزاز العالم الخارجي.
وقال المسؤول في بحرية "الحرس الثوري"، محمد أكبر زاده، يوم الأربعاء، في بيان نقلته وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء: "يخضع مضيق هرمز حاليا لسيطرة كاملة من بحرية الجمهورية الإسلامية".
ويزعم "الحرس الثوري" أن مرور السفن عبر المضيق بات "مستحيلا،" وأن أكثر من 10 ناقلات نفط تعرّضت للاستهداف حتى الآن. ويشكّل إعلان "الحرس الثوري" إحكام سيطرته الكاملة على مضيق هرمز خطوة محورية في محاولة النظام اليائسة للصمود في مواجهة الهجوم العسكري الأميركي-الإسرائيلي الحالي.
ألقى تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز بظلاله بالفعل على أسواق الأسهم العالمية، التي هوت وسط مخاوف من أن حرب ترمب ضد إيران ستشعل أزمة تضخم
وإذا نجح الحكم في طهران في إشعال أزمة مالية عالمية بإغلاق هذا الممر المائي، فستتعاظم الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف حملتهما العسكرية ضد النظام الإيراني.
وقد أشارت تقارير إلى اندلاع حريق في ناقلة أميركية في الجزء الشمالي من الخليج بعد تعرّضها لضربة من القوات الإيرانية، بحسب وسائل إعلام رسمية. كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن ناقلة كانت راسية قبالة الكويت تعرّضت لـ"انفجار كبير". وكانت المياه تتسرّب إلى السفينة، فيما شوهد النفط يتسرّب من أحد خزانات الشحن.
وبحسب وكالة "أسوشييتد برس"، قدّر "مركز كلاركسونز للأبحاث"، الذي يتابع بيانات الشحن، أن نحو 3200 سفينة، أي ما يقارب 4 في المئة من الحمولة العالمية للسفن، متوقفة في الخليج.
وألقى تهديد إيران بإغلاق هذا الممر المائي بظلاله بالفعل على أسواق الأسهم العالمية، التي هوت وسط مخاوف من أن حرب ترمب ضد إيران ستشعل أزمة تضخم. إذ هبط المؤشر الرئيس للأسهم في بريطانيا بأكثر من 3 في المئة، في أسوأ أداء يومي له منذ موجة الرسوم الجمركية التي أطلقها الرئيس الأميركي في "يوم التحرير" في أبريل/نيسان الماضي، فيما جاءت الخسائر أشد في الأسواق الأوروبية، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بفعل القلق من أن يقود النزاع في الشرق الأوسط إلى خنق الإمدادات.
غير أن مساعي إيران لإحكام السيطرة على هذا الممر الحيوي لن تمر، على الأرجح، من دون رد من إدارة ترمب، بعدما أعلن الرئيس الأميركي عزمه على نشر قوات بحرية أميركية لمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق.
وقال ترمب أيضا إن الحكومة الأميركية ستوفّر تغطية تأمينية ضد المخاطر، "بسعر معقول جدا"، لجميع شركات الشحن في المنطقة، بهدف "ضمان التدفق الحر للطاقة إلى العالم".
ويبقى السؤال ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لضمان استمرار تدفق إمدادات النفط والغاز عبر المضيق. غير أن سعي آيات الله إلى إحكام السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي قد يؤدي بهم إلى تصعيد النزاع بدلا من احتوائه.