من الاستيراد إلى السؤال

من الاستيراد إلى السؤال

استمع إلى المقال دقيقة

لم يعد السؤال اليوم: ماذا نأخذ من الغرب؟ بل لماذا تبدو كثير من أفكارنا، حين نأخذها، غريبة عن تربتنا، كأنها زُرعت في أرض لا تعرفها الجذور؟

في العقود الأخيرة، تبنّى الشرق العربي عدداً كبيراً من النظريات الفكرية والأدبية والاجتماعية الآتية من سياقات غربية مختلفة تماماً عن سياقه التاريخي واللغوي والبيئي. لم يكن الأخذ بحد ذاته خطأ، فالمعرفة إنسانية بطبيعتها، لكن الإشكال ظهر حين تحوّل هذا الأخذ إلى تَبنٍّ غير فاحص، وإلى يقين جاهز، لا يُسأل عن شروط نشأته ولا عن صلاحيته خارج بيئته الأصلية.

تسللت هذه النظريات إلى مدارسنا الأدبية، وإلى مناهجنا التعليمية، وحتى إلى قوانيننا الاجتماعية، دون أن تمرّ بمرحلة مساءلة حقيقية: هل وُلدت هذه المفاهيم من تربة تشبه تربتنا؟ أم إنها جاءت محمّلة بتاريخ آخر، وأسئلة أخرى، ومخاوف لا تخصّنا بالضرورة؟ يظهر هذا الارتباك بوضوح حين نقترب من اللغة، فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل خريطة ذاكرة، ومع ذلك، رُسّخت عبر قرون أفكارٌ تفترض مركزية لغات بعينها بوصفها الأصل، فيما تُقدَّم العربية بوصفها فرعاً متأخراً، أو تطوراً لاحقاً. هذه الفكرة، التي تكرّست في كثير من الكتابات الغربية، لم تُناقش عربياً بما يكفي، بل جرى التعامل معها كحقيقة نهائية.

لكن الاكتشافات الأثرية واللغوية، خصوصًا في جنوب العراق منذ القرن التاسع عشر، فتحت أسئلة مقلقة عن نشأة الكتابة، وعن وحدة الأبجدية قبل التنقيط، وعن لغات ثبت أنها أقدم مما كان يُتصوَّر. هنا لا نتحدث عن صراع هويات، بل عن تاريخ أفكار، وعن الطريقة التي تُكتب بها المعرفة، ومن يملك سلطة تدوينها.

اللافت أن كثيراً من هذه الاكتشافات ظلّ هامشياً في خطابنا الثقافي، بينما جرى تضخيم سرديات أخرى حتى بدت المسار الوحيد الممكن. ربما لأن التدوين نفسه، كما يعلّمنا التاريخ، ليس بريئاً، فالذي يكتب يختار، والذي يختار يُغيّب.

ولا يتوقف الأمر عند اللغة، فحتى الطبيعة من حولنا، بأسمائها ونباتاتها وأشجارها، صارت تُقدَّم بأسماء مستعارة، وكأن المكان فقد صوته. لم نعد نلتفت إلى كبار السن الذين كانت علاقتهم بالأرض علاقة معرفة وحسّ، ولا إلى أسماء الأشياء كما عاشت في الذاكرة الشفوية. هذا الفقر المعرفي بالطبيعة ليس تفصيلاً، بل علامة على قطيعة أعمق مع المكان. أما مفردة "الحداثة"، التي تُستخدم اليوم بوصفها علامة تقدم، فهي نفسها كلمة ذات جذور قديمة في تراث الشرق. لم يكن الشرق نائماً لكسل، بل خاضعاً لقوى كتبت عنه أكثر مما سمحت له بالكتابة عن نفسه، فكل هيمنة طويلة تنتج شكلاً من الاستقلال الشكلي: مؤسسات، وقوانين، ومفاهيم تبدو حديثة، لكنها في العمق مستعارة الروح.

حين تُعاد الأسئلة إلى مواضعها الأولى، يمكن للأفكار أن تستعيد جذورها، وللمعرفة أن تتحرر من اغترابها

ولعل المأزق الحقيقي ليس في تأخر الشرق، بل في اغترابه المعرفي، في تبنّي أفكار جميلة البناء، باردة الانتماء. وما لم نعد إلى البحث، لا بوصفه حنيناً، بل بوصفه فعل معرفة، سنبقى نعيش هذا التوتر: نستهلك مفاهيم لا تشبهنا، ونشعر- دون أن نفهم لماذا- أن روح المكان متعبة.

أما التصحيح، فلا يأتي بالشعارات، ولا بالمواجهة الصاخبة، بل بالبحث الهادئ، وبإعادة طرح الأسئلة الأولى، عن اللغة والأرض والذاكرة، ومن يكتب تاريخها.. هناك فقط، قد تبدأ الأفكار في استعادة جذورها. ولعل هذا البحث لا يمكن أن يظل جهداً فردياً أو حدسًا معزولاً، بل يحتاج إلى أطر علمية قادرة على العمل بعيداً عن الاستهلاك السريع للمعرفة. إن إنشاء مراكز بحثية تُعنى بالتراث العربي والشرقي، لا بوصفه مادة احتفالية أو أرشيفاً جامداً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للدراسة المقارنة وإعادة القراءة، هو خطوة أساسية في استعادة التوازن المعرفي والتنقيب في اللغة، والكتابة والطبيعة وتاريخ الأفكار، بأدوات علمية حديثة، ولكن من داخل السياق، لا من خارجه..

هناك فقط، حين تُعاد الأسئلة إلى مواضعها الأولى، يمكن للأفكار أن تستعيد جذورها، وللمعرفة أن تتحرر من اغترابها.

font change