السعودية... بين ضبط النفس وخيار الرد

سياسة ضبط النفس لا تعني أبداً التساهل مع التهديدات

السعودية... بين ضبط النفس وخيار الرد

استمع إلى المقال دقيقة

المنطقة في عين عاصفة جديدة، والشرق الأوسط يشتعل تحت وطأة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وفي خضم هذا المشهد الذي تفوح منه رائحة البارود، ترتفع أصوات تتوقع، أو ربما تأمل، أن تنجر دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، إلى أتون هذه الحرب، لتصطف في محور ضد طهران، لكن هذه القراءة تبدو متسرعة، وتنم عن جهل بطبيعة صانع القرار في الرياض، وبقواعد اللعبة السياسية في منطقة لا تحتمل المزيد من الحرائق.

من يروج لفرضية "الانجرار" يتعامل مع السعودية وكأنها طرف ثانوي يمكن توجيهه، وهو لا يدرك أن الرياض، بثقلها الديني والسياسي والاقتصادي، لا تتخذ قراراتها بردود الفعل، إنما تنطلق من حسابات دقيقة لمصالحها الوطنية العليا، ومن فهم عميق لتوازنات القوى، فقبل أن تدوي المدافع، بذلت الدبلوماسية السعودية جهوداً حثيثة لتفادي ما يحدث الآن، وسعت عبر قنوات متعددة إلى احتواء الموقف، مدركة أن أية شرارة قد تشعل حريقاً يضر المنطقة بأسرها، وهذا السلوك امتداد لسياسة راسخة ترى في الاستقرار الإقليمي جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.

الدليل الأكثر وضوحا على هذه الحصافة، كان مع أول طلب لاستخدام الأجواء والأراضي الخليجية في العمليات العسكرية ضد إيران، حيث جاء الرفض السعودي قاطعاً وحاسماً، ومعه موقف خليجي موحد، إذ أرسلت الرياض ومعها عواصم الخليج رسالة واضحة مفادها أن سيادتها ليست محل مساومة، وأن أمنها لا يمكن أن يكون جزءاً من حسابات أطراف أخرى، وهذا الموقف السيادي ليس تعبيراً عن الحياد، بقدر كونه موقفاً يهدف إلى منع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراع قد لا ينتهي.

في المقابل، سياسة ضبط النفس لا تعني أبداً التساهل مع التهديدات، والسعودية ورغم حرصها على تجنب التصعيد، وجدت نفسها في مرمى النيران المباشرة، من محاولات بائسة لاستهداف منشآتها النفطية في رأس تنورة وحقل شيبة، إلى وصول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى مشارف عاصمتها، وهنا تتجلى المعادلة السعودية، التي تجمع بين الحكمة في إدارة الصراع، والصلابة في الدفاع عن النفس، فالصبر له حدود، والسيادة خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

لا يمكن قراءة الموقف السعودي بمعزل عن تاريخه وسياسته وثقله، وذلك لأن الرياض لا تجر إلى معارك الآخرين، لأنها تخوض معركتها الخاصة للحفاظ على أمنها واستقرارها

ما قد يغيب عن الكثير، أن هذه الحرب لم تعد محصورة بين أطرافها المباشرة، حيث أصبح الجميع يدفع ثمنها، من اضطراب أسواق الطاقة، إلى تعطل الملاحة البحرية، مرورا بحالة ترقب تعيشها عواصم العالم، وفي ظل هذا المشهد يدرك صانع القرار السعودي أن دخوله طرفاً مباشراً لن يقصر أمد الحرب، بل على العكس تماماً، سيوسع رقعتها ويعقد مساراتها، مع الأخذ في الاعتبار أن الأثر الأكبر لأي تصعيد خليجي لن يقع على طهران وحدها وسيرتد على المنطقة بأسرها، لذلك تتعامل الرياض مع هذه الأزمة بمنطق من يملك القدرة على التأثير دون أن ينعكس ذلك بشكل سلبي على أمن الخليج والمنطقة، وبوعي سياسي يأخذ في الحسبان أن أهم القرارات ليست تلك التي تتخذ تحت ضغط اللحظة، إنما التي تصاغ بعيداً عن الانفعال وبحسابات تنظر بعين المستقبل والمرحلة القادمة.
البيانات السعودية الرسمية خلال الأيام الماضية عكست هذه المعادلة بوضوح، وبينما تدين الرياض "الهجوم الإيراني الغاشم"، تعود لتؤكد أنها لن تسمح باستخدام أراضيها ضد أي طرف، ثم تجدد في الوقت نفسه التأكيد على "حقها الكامل في اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها"، بما في ذلك خيار "الرد على العدوان"، وهي رسالة موجهة إلى من يقود الدفة في طهران بأن استمرار استهداف السعودية سيدفع الرياض إلى ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، وأن على الجانب الإيراني "التصرف بحكمة وتجنب أي حسابات خاطئة".
في المحصلة، لا يمكن قراءة الموقف السعودي بمعزل عن تاريخه وسياسته وثقله، وذلك لأن الرياض لا تجر إلى معارك الآخرين، لأنها تخوض معركتها الخاصة للحفاظ على أمنها واستقرارها، وهي في سبيل ذلك تستخدم كل أدواتها، من الدبلوماسية إلى التأكيد الصارم على سيادتها، وصولاً إلى التلويح بحق الردع، فمستقبل هذه الحرب لا يتوقف على مدى "انجرار" السعودية، ولكن على مدى "تعقل" الحسابات الإيرانية، واستيعاب فكرة أن استمرار استهداف المملكة لن يمر دون ثمن.

font change