إن الأسئلة التي يواجهها المؤرخ العربي الحديث لهي أكثر إحراجا وإرباكا من الأسئلة التي واجهها المؤرخ العربي القديم. ومن أبرز الصعوبات التي تعترض سبيل المؤرخ الحديث شعوره بأن أحداث الماضي لا تزال حية جدا في الحاضر، وبخاصة تلك الأحداث التي جرت خلال المرحلة النبوية وما تلاها من عقود قليلة.
لا يستطيع المؤرخ الحديث أن يتصرف في معزل عن تلك الأحداث، وعن آثارها الماثلة في الحاضر. ولذا، فهو يجد نفسه مضطرا لقراءتها قراءة خاصة. إلا أنه يصطدم بصعوبات كبيرة وهو يحاول أن يحقق قراءته الخاصة لأحداث الماضي. كيف يحققها والمؤرخون القدامى الذين ينبغي له الاعتماد عليهم قد اختلفوا في ما بينهم اختلافات واسعة؟
وكما كانت السيرة النبوية بالنسبة إلى المؤرخ العربي القديم نقطة محورية مشعة في سياق الأحداث التاريخية، فهي كذلك بالنسبة إلى المؤرخ العربي الحديث. فعلى هذا الأخير، وهو ينظر إلى حاضر يكتنفه الغموض من كل جانب، أن ينظر إلى السيرة النبوية محققا أو مستدلا أو مؤولا.
تطرح السيرة النبوية أسئلة مزمنة على كتابة التاريخ في حد ذاتها. وذلك بسبب من تعدد الفرق الإسلامية، التي شاءت كل واحدة منها أن تجد في تلك السيرة ما يدعم اتجاهها، أو يقوي وجهات نظرها. ومن أبرز تلك الأسئلة المزمنة هذا السؤال: هل تمثل كتابة التاريخ رأيا أو وجهة نظر، أم إنها بحث عن الحقائق يستبعد الآراء كلها؟ ويتلو هذا السؤال سؤال آخر: هل يمكن لكتابة التاريخ أن تكون مجردة تماما عن كل هوى أو ميل أو تعاطف؟
لقد تعددت الرواية، رواية الأحداث التاريخية، بتعدد الفرق الإسلامية. ولما كانت هذه الأخيرة تعتمد على السيرة النبوية اعتمادا أساسيا، فقد نتج عن ذلك أن اعتمدت كل فرقة على السيرة بالطريقة التي تناسبها، وأدى بها ذلك إلى طريقة خاصة في فهم التاريخ وفي النظر إلى أحداثه. ومن الطريف أن أول كتاب في السيرة النبوية وضعه محمد بن إسحاق بطلب من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وذلك بعد حوالي مئة وعشرين عاما على وفاة النبي. ومن الطريف أيضا أن الدارسين لا يثقون كثيرا بابن إسحاق، وإن كان مرجعا للمؤرخين وكتاب السيرة الذين أتوا بعده.
تعددت رواية الأحداث التاريخية، بتعدد الفرق الإسلامية، ولما كانت هذه الأخيرة تعتمد على السيرة النبوية اعتمادا أساسيا، نتج عن ذلك أن اعتمدت كل فرقة على السيرة بالطريقة التي تناسبها
لقد مثلت السيرة النبوية إذن بؤرة مركزية في مسار التاريخ كله. وذلك لدى المؤرخين القدامى، كالطبري، والدينوري، والمسعودي، وابن كثير، وابن الأثير وغيرهم. هؤلاء المؤرخون قدموا رواياتهم للأحداث، ابتداء من أول الخلق، أي منذ نشوء الحياة البشرية، وحتى العصر الذي عاش فيه كل منهم. وكان الواحد من هؤلاء المؤرخين يستعجل الوصول إلى المرحلة النبوية، وهو يروي عما سبقها معتمدا على ما جاء في الكتاب والحديث، ثم يأخذ، إذا ما انتهى من الكلام على وقائع السيرة، برواية ما تناهى إليه من معلومات حول مجريات الأحداث خلال المراحل الإسلامية، وصولا إلى زمانه.
وبسبب مما تقدم، نستطيع القول إن المؤرخ العربي الإسلامي يرى أن الأحداث التي انطوت عليها السيرة النبوية كانت محركا للتاريخ كله، وذلك لأن هذه السيرة تقدم تفسيرا للماضي (ما قبلها) ورؤية للمستقبل (ما بعدها).
إذن، نستطيع الإشارة إلى مفهوم للتاريخ أخذ به مؤرخونا القدامى، أو معظمهم على الأقل، ويتمثل بأن هذا التاريخ هو نتاج إرادة كانت السيرة النبوية من أبهى تجلياتها. وإذا ما ابتعد أحد من أولئك المؤرخين عن هذا المفهوم، فإنه لا يبتعد إلا قليلا. والأرجح أن ابن خلدون هو الأكثر تميزا في هذا المجال، وذلك في مقدمته الشهيرة، التي استنبط فيها قانونا طبيعيا يحكم حركة التاريخ، فتكلم في شرحه لهذا القانون على صعود الدول وانحدارها، نتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية، مشددا على أهمية "العصبية" التي هي الرابطة داخل جماعة معينة. فهذه الرابطة تكون قوية في حالة الصعود، وتستحيل ضعيفة في حالة الانحدار.
إن كتابة التاريخ عندنا تصطدم بمصاعب ومشاكل جمة. ومن أصعب ما يواجهه المؤرخ الحديث وعورة البحث في الماضي. فهو مطالب بقراءة الماضي قراءة ذكية دقيقة متجردة. والسيرة النبوية تقع في قلب هذه القراءة.
ولعل المهمة الأساسية للمؤرخ العربي الحديث تكمن في إنتاج مفهوم للتاريخ وكتابته يختلف عن المفهوم الذي أخذ به المؤرخون القدامى، ويضع نفسه على مسافة منه، تسمح له برؤية موضوعية لا يشوبها تعصب أو تمذهب أو انحياز. وهذه المهمة ليست بالسهلة، بل تتطلب جرأة كبيرة، من شأنها أن تهز النظرة السائدة إلى المجتمع والأمة والفرد والتراث وحرية الرأي والالتزام والتمرد والإبداع وغير ذلك من القيم.
المهمة الأساسية للمؤرخ العربي الحديث تكمن في إنتاج مفهوم للتاريخ وكتابته يختلف عن المفهوم الذي أخذ به المؤرخون القدامى، ويضع نفسه على مسافة منه، تسمح له بالرؤية الموضوعية
كيف تصنع الأحداث وما العوامل المؤثرة في صناعتها؟ قد يكون ابن خلدون، من بين المؤرخين العرب، الوحيد الذي تصدى لهذين السؤالين كما ألمحنا سابقا. إلا أن الشعر العربي زاخر بالإشارات اللماحة إلى حقيقة التاريخ ووطأة الأحداث. من ذلك هذا البيت للمتنبي:
ألا لا أري الأحداث مدحا ولا ذما
فما بطشها جهلا ولا كفها حلما
في هذه الملاحظة الأخيرة إشارة إلى أهمية الاستفادة من الشعر، في عمل المؤرخ العربي. وهذه الاستفادة لا تتحقق إلا مقترنة برهافة المؤرخ وتمكنه اللغوي وقدرته على التعمق والتجرد في القراءة والكتابة.