يستعد العالم لاستقبال نسخة من كأس العالم هذا العام؛ تتوزع ملاعبها على ثلاث دول مستضيفة، الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، في تجربة تنظيمية لا تختبر قدرة البطولة على استيعاب هذا الاتساع الجغرافي في آن واحد فحسب، بل بسبب تعقيدات غير مسبوقة.
ففي مشهد لم تألفه البطولة من قبل، تجد إحدى الدول المستضيفة (الولايات المتحدة) نفسها في حالة حرب مستعرة مع دولة تُشارك في البطولة التي تحتضنها. وقد كشفت المطالبة الإيرانية بنقل مبارياتها من الأراضي الأميركية إلى المكسيك عن عمق هذا التوتر وانعكاساته العملية على إدارة البطولة، قبل أن يرفض "الفيفا" هذا الطلب.
لكن الأزمة الجيوسياسية ليست الملف الوحيد الذي يُثقل كاهل المنظمين، إذ تُضاف إليها معادلة أمنية داخلية بالغة الهشاشة، حيث تُحكم كارتيلات المخدرات قبضتها على مناطق واسعة من الأراضي المكسيكية المضيفة.
وبين حرب تُعيد رسم المشهد الجيوسياسي وكارتيلات تُفاوض بمنطق المصلحة لا بمنطق القانون، يُراهن "الفيفا" بأن سحر الكرة كفيل بأن يطغى على كل ما عداه.
المونديال الأكبر على الإطلاق هو ما وعدنا به "الاتحاد الدولي لكرة القدم"، عندما قرر توسيع البطولة الأكبر في رياضة كرة القدم لتشمل مشاركة ثمانية وأربعين فريقا للمرة الأولى في التاريخ، ولتقام مبارياتها في ضيافة ثلاثة بلدان تشترك في التنظيم أيضا للمرة الأولى منذ أن انطلقت البطولة عام 1930 لتكون المنتج الأهم الذي تقدمه اللعبة الشعبية الأولى في العالم.
التحديات التي تصاحب حدثا بهذا الحجم قد لا تغيب عن منظمين احترفوا التعامل مع حكومات واتحادات رياضية وشركات راعية مختلفة في كل نسخة سابقة من نسخ البطولة التي وصل عددها لاثنتين وعشرين، لكنهم ربما لم يخطر على بالهم أن يتناقص العد التنازلي نحو انطلاق البطولة لما دون المئة يوم بينما تشن إحدى الدول المستضيفة هجوما عسكريا على دولة تأهلت بالفعل للبطولة، في الوقت الذي تكافح فيه المستضيفة الأخرى لاحتواء حرب عصابات تهدد التعرف على آخر المتأهلين للبطولة.
المكسيك كانت تعد العدة لكي تضيف ملعب "أزتيكا" الأسطوري في مكسيكو سيتي، الذي تحمل قصته مع كأس العالم صفحات خالدة تجعله الملعب الأكثر اقترانا بتاريخ البطولة، تضيف صفحة جديدة من تلك القصة باستضافة هذا الملعب افتتاح مونديال 2026 في الحادي عشر من يونيو/حزيران المقبل، بيد أنها وجدت نفسها أمام تحد وجودي يهدد احتضان ملاعبها للبطولة للمرة الثالثة بعد مرتين سابقتين من الأكثر خلودا في الذاكرة الكروية، إذ شهدت الأولى إكمال البرازيلي "بيليه" لأسطورته الفريدة متوجا باللقب الثالث له، بينما توجت الثانية الأرجنتيني دييغو مارادونا ملكا على عرش كرة القدم إلى الأبد في نظر الكثيرين.
التحدي لم يكن في مواكبة متطلبات الكرة الحديثة من منشآت تدريبية وصحية وشبكة المواصلات المطلوبة لنقل الجماهير، بل كان فيما يسبق كل ذلك من متطلبات ذكرتنا بها كارتيلات ولاية "خاليسكو" وهي تحول شوارع الولاية إلى جحيم ملهم لمنتجي مسلسلات منصة "نتفلكس" عن عالم المخدرات في البلد الذي يستضيف المونديال بالمشاركة مع الجيران الأميركيين والكنديين.

