ما الذي تكشفه قرارات حظر الكحول عن المرحلة الانتقالية في سوريا؟

تكتنف المرحلةَ الانتقالية في سوريا شكوك عميقة في شأن طبيعة النظام الذي يسعى حكامها إلى تشييده

ما الذي تكشفه قرارات حظر الكحول عن المرحلة الانتقالية في سوريا؟

استمع إلى المقال دقيقة

فرضت محافظة دمشق أخيرا حظرا على تقديم المشروبات الكحولية في أنحاء المدينة كلها، وقصرت بيعها للاستهلاك الخارجي على المحال المرخصة في ثلاثة أحياء ذات غالبية مسيحية. وقدّم المسؤولون هذا القرار على أنه مسألة تتصل بـ"الآداب العامة".

لكن كثيرا من السوريين رفضوا هذا التبرير، وعدّوا أن أي مخاوف حقيقية من سوء السلوك كان يمكن معالجتها بتطبيق القوانين النافذة، لا بفرض قيد شامل على مستوى المدينة. وأثارت الخطوة موجة غضب واسعة على الإنترنت، فضلا عن احتجاج شارك فيه مئات الأشخاص رفضا لما رأوه تدخلا في الحريات الشخصية.

وعلى وقع هذا الغضب، أصدرت محافظة دمشق بيانا إلحاقيا شددت فيه على أن القرار "لا يتدخل في الحريات الشخصية للمواطنين"، وأنه، في جوهره، "إجراء تنظيمي بحت ضمن إطار القانون". وأوضحت أن حظر تقديم المشروبات الكحولية لا يسري على المنشآت التي تملك أصلا تراخيص لبيعها.

غير أن التراجع عن جزء من القرار لا يكفي. فالتدبير يكشف نمطا أخذ يتكرر، يلجأ فيه المسؤولون إلى شعار الآداب العامة لحظر سلوكيات لا يستسيغونها، ويستعينون بالسلطة الإدارية لفرض تفضيلاتهم الأخلاقية. والمطلوب، في المقابل، تبدل في عقلية الحكم نفسها، عقلية ترى في الإدارة العامة وسيلة لصون التنوع، لا أداة لتقويمه وضبطه.

وصدر القرار في 16 مارس/آذار، وقُدّم على أنه استجابة لشكاوى محلية ومحاولة للحد من ممارسات قيل إنها تخالف الآداب العامة.

غير أن هذا التفسير لا يصمد. فاستهلاك الكحول ظل، منذ زمن طويل، جزءا مألوفا من الحياة في دمشق، ومع ذلك يعامله البيان الرسمي كما لو أنه خطر طارئ على النظام العام. ولو كانت المشكلة الحقيقية هي السلوك الفوضوي، لكان في وسع السلطات التعامل معها بأدوات إنفاذ القانون المعتادة. أما فرض حظر شامل على تقديم الكحول في المطاعم، فلا يشكل ردا متناسبا على تجاوزات فردية. إنه قيد أخلاقي صيغ في هيئة سياسة إدارية.

ويزداد هذا الأمر وضوحا عند النظر إلى المسار الأوسع منذ بداية المرحلة الانتقالية. فقد أفاد مسافرون بوجود حظر غير معلن على إدخال الكحول إلى سوريا، مع مصادرة الزجاجات أثناء التفتيش، وأحيانا إتلافها في الحال عند المعابر البرية. كذلك تحدثت حانات ومطاعم تقدم الكحول عن مداهمات وتشديد في القيود وضغوط متزايدة، يبدو أنها ترمي إلى إرغامها على التوقف عن البيع نهائيا.

ويعد تراجع السلطات، في 21 مارس/آذار، عن حظر تقديم الكحول استجابة للغضب العام خطوة إيجابية. لكنه لا يمس الذهنية الأوسع التي أفضت إلى إقراره من الأصل.

ولا تبدو القيود المفروضة على الكحول في دمشق حالة معزولة. فهي تندرج ضمن مسعى أوسع لفرض تصور اجتماعي بعينه عبر الوسائل البيروقراطية. ومرة بعد مرة، استخدم المسؤولون اللغة الفضفاضة لـ"الآداب العامة" لتبرير حظر ممارسات لا يروق لهم أمرها.

ففي اللاذقية، فرض المحافظ حظرا شاملا على وضع النساء لمستحضرات التجميل داخل مؤسسات الدولة خلال ساعات العمل، متذرعا بتنظيم المظهر المهني. وفي الفترة نفسها تقريبا، منع رئيس بلدية وادي بردى المطاعم من استقبال مجموعات مختلطة تجتمع للرقص أو السمر، متذرعا بالأخلاق الدينية. وفي العام الماضي أيضا، أصدرت السلطات توجيهات بشأن ملابس السباحة "المحتشمة" على الشواطئ والمسابح العامة، ففرضت قيودا محددة على لباس النساء، مع استثناء الأماكن الخاصة أو الراقية.

الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية في سوريا، فهو ما إذا كانت الإدارة ستصبح محكومة بقواعد واضحة وقابلة للتوقع، أم ستظل رهينة قرارات تقديرية تصوغها الأهواء والتفضيلات الشخصية

وقد قُدّم كل إجراء من هذه الإجراءات دفاعا عن الأعراف الثقافية أو الأخلاق العامة. أما في الواقع، فقد وسّع كل منها نطاق تدخل الدولة إلى مجالات من الاختيار الشخصي لا تكاد تمس السلامة العامة أو النظام المدني بصلة. ويغدو هذا أكثر دلالة في بلد عُرف طويلا، على رغم كل ما شهده من توترات وقمع، بقدرته على إدارة التنوع عبر إفساح المجال لتعايش جماعات وأنماط عيش مختلفة.
تكتنف المرحلةَ الانتقالية في سوريا أصلا شكوك عميقة في شأن طبيعة النظام الذي يسعى حكامها من ذوي  التوجه الإسلامي إلى تشييده. وقد حاول الرئيس أحمد الشرع مرارا تبديد هذه المخاوف، مقدما النظام الجديد على أنه جامع وتعددي ويحترم الحقوق والحريات.
وجاءت مقابلته مع هيئة الإذاعة البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2024 في هذا السياق. فعندما سئل عن الكحول، قال إن سوريا تواجه تحديات أشد إلحاحا، وإن هذه المسألة ينبغي أن تترك للخبراء القانونيين الذين يضعون الدستور والقوانين المقبلة.
أما اليوم، فتبدو تلك المقاربة أقل إقناعا بكثير. فالأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في سوريا ما برحت تتفاقم منذ ذلك الحين، ما يجعل من العسير الزعم أن الكحول صار فجأة أولوية وطنية ضاغطة.
ويبدو أيضا أن الأساس القانوني للحظر هش. فالقانون السوري النافذ لا يجرّم استهلاك الكحول. ومن ثم، يبدو هذا التدبير أقرب إلى فرض التفضيلات الأخلاقية لفئة بعينها على بقية المجتمع، لا إلى تنظيم يستند إلى القانون.
وإذا كانت السلطات مستعدة للتراجع بهذه السهولة عن مسألة سبق أن قللت من شأنها وأحالتها إلى المسارات القانونية المقبلة، فمن المشروع التساؤل عن مدى متانة التزاماتها الأخرى. فوعود التعددية تفقد معناها حين يجري التخلي عنها ما إن تسمح الظروف بذلك.
من أسوأ ما قد يرتكبه الحكام الجدد في سوريا اليوم أن يعمّقوا المخاوف من أن المرحلة الانتقالية تتحول إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع على أسس أيديولوجية. غير أن هذا هو بالضبط ما تفعله قرارات من هذا النوع.
فهي تعزز الشكوك في أن اعتدال السلطات تكتيكي أكثر منه مبدئي، وأن التزاماتها بالتعددية لا تصمد إلا ما دامت ملائمة، وأن النظام الآخذ في التشكل أقرب إلى منظومة أخلاقية مشددة الرقابة منه إلى دولة مدنية.
وليس الحظر مضرا سياسيا فحسب، بل يشكل أيضا عبئا اقتصاديا يسير في الاتجاه المعاكس. فسوريا يفترض أن تكون في طور السعي إلى التعافي وجذب الاستثمار وإحياء الحركة التجارية في المدن. ويمثل قطاع الضيافة والمطاعم والترفيه ركنا أساسيا في هذا المسار.
فهذه القطاعات تخلق فرص عمل، وتعيد الحياة إلى مراكز المدن، وتعطي إشارة إلى عودة شيء من الإيقاع الطبيعي. لكن السلطات، بدلا من ذلك، تضخ قدرا جديدا من الارتياب والقيود في القطاعات نفسها التي يفترض أن تقود هذا التعافي.
وسيتضرر القطاع السياحي بدوره. فأي محاولة جدية لاستعادة الزوار إلى سوريا لا تتوقف على الأمن وحده، وإنما تقوم أيضا على الشعور بأن البلاد منفتحة، ويمكن توقع مسارها، وتبدو جاذبة. أما اللوائح الأخلاقية المفاجئة، حتى حين يجري التراجع عنها، فترسل الرسالة النقيضة، وتجعل البلاد أقل جاذبية في أعين الزوار والمستثمرين معا.
إن التراجع عن حظر الكحول خطوة مرحب بها، لكن دلالة هذه الواقعة تتجاوز موضوعها المباشر. فهي تكشف مدى سهولة توظيف الإجراءات الإدارية لفرض معايير اجتماعية خلافية من دون سند قانوني واضح.
أما الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية في سوريا، فهو ما إذا كانت الإدارة ستصبح محكومة بقواعد واضحة وقابلة للتوقع، أم ستظل رهينة قرارات تقديرية تصوغها الأهواء والتفضيلات الشخصية. وإذا استمر هذا النمط، فإنه يهدد بأن يعرّف المرحلة الانتقالية لا على أنها انتقال نحو نظام مستقر وجامع، وإنما على أنها ترسيخ لبنية أشد تقييدا وأكثر التباسا.

font change