إيران وثلاثي الحرب وسياسة الأرض المحروقة

النظام الإيراني اعتاد الركون إلى "سياسة الأرض المحروقة"، أو إلى خيار الانتقام من القريب في عقر داره، كلما وجد نفسه غير قادر على مواجهة العدو في الميدان

إيران وثلاثي الحرب وسياسة الأرض المحروقة

استمع إلى المقال دقيقة

على مدى أكثر من شهر من الحرب، طالت الصواريخ الإيرانية ردّا على الغارات الأميركية-الإسرائيلية، الموانئ والمطارات ومحطات الطاقة والمنشآت الاقتصادية والتجمعات المدنية والسياحية في دول الخليج العربي، بينما ظلت وتيرتها منضبطة ومحدودة تجاه إسرائيل (العدو الأيديولوجي) فلم تؤذها بالقدر نفسه، كما لم تكن بالشراسة نفسها.

فقد أفادت الإحصائيات غير الرسمية التي ترصد طبيعة الرد الإيراني ونمطه، بأن نحو 85 في المئة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران "دفاعا عن نفسها"، استهدفت البنى التحتية المدنية في دول الخليج العربي، في حين لم تتجاوز نسبة الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل 15 في المئة حتى الآن.

من ناحية، تؤكد هذه الأرقام أن الأولوية "الدفاعية" للنظام الإيراني قائمة على إيذاء محيطه وجيرانه وزعزعة استقرارهم الداخلي، كما أنها في الوقت نفسه، تفضح نفاق هذا النظام، وتُسقط القناع عن خطابه الأيديولوجي "المقاوم" الذي بنى عليه شرعيته على مدى أكثر من أربعة عقود، وهو مواجهة المشروع الصهيو-أميركي في المنطقة. ومن ناحية أخرى، توضح أن رد النظام الإيراني صادر عن عقلية دفاعية بدائية ليس لها أي تفسير أو تعريف في الحروب والمواجهات العسكرية، سوى أنها تسعى إلى تفريغ العنف بشكل انفعالي، عبر إلحاق أكبر قدر من الأذى بالبنى المدنية بوصفها نقاط ضعف، على حساب الأهداف العسكرية بوصفها مكاسب استراتيجية.

إذا نبشنا في سلوكياته الدائمة وسيرته الماضية، نجد أن النظام الإيراني اعتاد الركون إلى "سياسة الأرض المحروقة"، أو إلى خيار الانتقام من القريب في عقر داره، كلما وجد نفسه غير قادر على مواجهة العدو في الميدان، ولذلك لا يعود من قبيل المبالغة اتهامه بأنه يطبّق هذه السياسة ضد جيرانه في الخليج العربي.

أليس غريبا أنه فيما تمارس الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية "سياسة الأرض المحروقة" ضد إيران، أن يردّ النظام الإيراني بتوسيع مساحتها باتجاه محيطه الإقليمي وبطريقة أكثر عنفا وأشد انتقاما؟

بمعنى آخر، يستجير النظام الإيراني بافتعال الأزمات في المنطقة حين تشتد عليه أزماته، ويتوسّل توسيع ساحات الصراع كآلية تحميه من السقوط، وبدل أن يستغل "الخطر الخارجي" ليجعل منه حافزا لإعادة ترتيب بيته الداخلي، وتعميق التحالفات مع الجيران، نراه يحوّله إلى فرصة لمضاعفة العنف، فلا تعود "سياسة الأرض المحروقة" بذلك، مجرد أداة يضخّم فيها حجم الكلفة على محيطه، بل تصبح التعبير الأوضح عن أزمته البنيوية وانسداد أفقه السياسي.
وفي أكثر صورها وضوحا، تعكس "سياسة الأرض المحروقة" الحالية، أزمة حكم في إيران، من علاماتها التفكك الذي أصاب بنية النظام، نتيجة استهداف مراكز صنع القرار، واغتيال القادة الكبار، وانكشاف المؤسسات الأمنية والعسكرية بفعل التكنولوجيا الأميركية المتقدّمة، وانتشار شبكات التجسس الإسرائيلية على أراضيه، مما أدى إلى إحداث تصدّعات كبيرة داخل هرم السلطة، بحيث لم يعد هناك مركز قرار متماسك وموحّد، ولا قدرة حقيقية على إدارة المجالين الداخلي والخارجي، فما تبقّى هو مجموعة من "الناجين" تعمل بشكل فردي غالبا، وفي ظروف من فقدان السيطرة، وتحاول تعويض عجزها عن الوصول إلى أهدافها بالتصعيد العشوائي.
على صعيد متصل، تنفّذ الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران "سياسة الأرض المحروقة" نفسها أيضا، فنتيجة استهدافهما البنية التحتية على امتداد الخريطة الإيرانية، وقعت إيران في هاوية انهيار اقتصادي كارثي، وأجبرتها غاراتهما المشتركة والمتواصلة على إغلاق موانئها الاستراتيجية التي تمتد من شواطئ آستارا على بحر قزوين إلى بوشهر وبندر عباس على ضفة الخليج، وأتت نيران الصواريخ على مراكز الطاقة المدنية من ماء وكهرباء وخزانات وقود في كل المحافظات، ومع أزمة مضيق هرمز، انخفضت الإيرادات إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وتعطّلت بالتالي دورة الحياة الاقتصادية اليومية للشعب الإيراني بكامله.
في المحصلة، أليس غريبا أنه فيما تمارس الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية "سياسة الأرض المحروقة" ضد إيران، أن يردّ النظام الإيراني بتوسيع مساحتها باتجاه محيطه الإقليمي وبطريقة أكثر عنفا وأشد انتقاما؟ ألا تكشف هذه الممارسة المتبادلة عن تماثل أو تطابق في الأسلوب بين ثلاثي الحرب (واشنطن وتل أبيب وطهران) دون أي تفاضل بين أي طرف منها؟ 
فما يبدو في ظاهره صراعا بين الأطراف الثلاثة، يخبئ في عمقه ما يبدو أنه تقاطع في الأهداف أو توافق مستتر في الغايات والمقاصد، ويعطي انطباعا أن ما يجري أكثر من لعبة حرب تختلف أو تفترق فيها استراتيجيتان، إذ إنهما تعودان وتلتقيان عند نقطة واحدة: استنزاف اقتصادات دول الخليج العربي، وتدمير مقومات الحياة فيها، وتفكيك عمرانها المدني والحضري والبشري الذي كافحت من أجل بنائه على مدى أجيال.

font change