رثاء المدن والممالك من سقوط الأندلس إلى نكبة جبل عامل

حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهدنة مع إيران مؤخرا، لم تسرِ على جبل عامل

رثاء المدن والممالك من سقوط الأندلس إلى نكبة جبل عامل

استمع إلى المقال دقيقة

في الأندلس، عندما بدأت الحواضر تسقط تباعا في قبضة القشتاليين، شرع الشعراء في نظم قصائد تصوّر مرارة الهزيمة وآلامها، وترثو المدن والبيوت وما كان فيها من حياة، فظهر غرض شعري جديد لم يكن معروفا من قبل، اسمه "رثاء المدن والممالك"، واشتهرت مرثيات ما تزال تتردد إلى اليوم، منها "لكل شيء إذا ما تمّ نقصان" لأبي البقاء الرندي.

ولعقود مديدة ظل رثاء المدن والممالك فنا شعريا أندلسيا، لكن بعدما دخل "حزب الله" في "حرب إسناد غزة" انطلاقا من أراضي جبل عامل (جنوب لبنان)، وأتاح لإسرائيل قتل مدنه وقراه، برزت ملامح فن أدبي عاملي شبيه بالأندلسي، حيث شرع أبناء الجبل وشعراؤه وكتّابه ومثقفوه يصوّرون نكبتهم ويرثون بيوتهم، كما لو أن رثاء المكان ثيمة مشتركة بين الشعوب المنكوبة، تسافر عبر الزمن وتطوي المسافات وتوحّد مشاعر الفقد، غابرا وحاضرا.

وكما نعى الأندلسيون سقوط حواضرهم وضياعها، ينعى العامليون اليوم تدمير مدنهم وقراهم وتحويلها إلى أرض محروقة، طليطلة وقرطبة وغرناطة وبلنسية وملقا والمرية أمس، هي اليوم حواضر جبل عامل: بنت جبيل والخيام وصور والنبطية.

كل المرثيات الأندلسية التي وصلت إلينا تُعاد اليوم بأقلام العامليين، يكتبونها شعرا ونثرا وسردا، ويصفون فيها تعلّقهم بديارهم الجميلة التي أُخرجوا منها غصبا، وتفجّعهم على مقتل الأهل والرفاق وتشتّت الشمل وانفراط العقد، متجاوزين مشاعر الألم والحزن الخاصة إلى منطق الخسارة العامة، ويكاد لا يخلو أي من المواقع الصحافية أو وسائل التواصل الاجتماعي من مرثيات للبيوت والحدائق ومعالم الذاكرة والجسور وعيون الماء والحقول وكروم الزيتون التي ترمّدت، وهناك مرثيات تستعين بالصور وبأبيات من المواويل البلدية مثل "العتابا" و"الفراقيات" وبأغاني فيروز وبعض الشعر العامّي، فتحوّل الفضاء الإلكتروني إلى خلطة من التنهدات والبكائيات.

كان القشتاليون مجهّزين بأحدث الأسلحة والعتاد، ولم يبدأوا حربهم إلا بعدما نسجوا تحالفات استراتيجية متينة جمعت الممالك الكاثوليكية تحت راية واحدة، أي طبّقوا فكرة "وحدة الساحات"، فيما انتهى الأندلسيون إلى طوائف وقبائل متناحرة، فلم يغث أحدهم أحدا، مما عجّل بسقوط الأندلس، أما العامليون الذين سيقوا إلى مساندة غزة وإيران، فلم يساندهم أحد، أو على الأقل مَن دفعهم إلى الإسناد ووعدهم به.

أطلق "حزب الله" في الثاني من مارس 2026، ستة صواريخ باتجاه إسرائيل في ما عُرف بـ"حرب إسناد إيران"، فكانت النتيجة أنه سلّم بلاد جنوب النهر لإسرائيل بعدما عجز عن التشبّث بجغرافيتها

 وحين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهدنة مع إيران مؤخرا، لم تسرِ على جبل عامل، وفي أثنائها صعّدت إسرائيل هجماتها حتى طحنت مدينة بنت جبيل ومحت أثرها، ثم فجّرت القنطرة والطيبة ودير سريان والخيام وعيناتا وعيترون وحولا وكفركلا، وبعدما انتهت من مهمتها هناك، بدأت بالتقدّم باتجاه الشمال.
صارت بلاد بشارة (جنوب النهر) أرضا محروقة ومنطقة أمنية عازلة، أما بلاد الشقيف (شمال النهر) فأصبحت قرى الحافة الأمامية الجديدة، وباتت مهددة اليوم بالمحو الذي أصاب جارتها، وتعيش تحت رحمة إنذارات أفيخاي أدرعي (الناطق باسم الجيش الإسرائيلي) اليومية بالإخلاء.
عودة إلى الأندلس، في الثاني من يناير/كانون الثاني 1492م وقف آخر ملوك غرناطة أبو عبدالله الصغير الذي عُرف بالشقي والمنحوس، على ضفة نهر خنيل أسفل قصر الحمراء، وسلّم مفاتيح آخر المدن العربية للملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، في ما عُرف آنذاك بحروب الاسترداد، وقال لنظيره: "هذه المفاتيح هي ما بقي من سلطان العرب في الأندلس، خذها فقد أصبح لك ملكنا ومتاعنا وأشخاصنا". وفي اللحظات الأخيرة قبل خروجه من غرناطة إلى الأبد، وقف يبكيها مودّعا، فقالت له أمه عائشة الحرة: "ابكِ مثل النساء ملكا مُضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال".
في النسخة العاملية للحكاية، أطلق "حزب الله" في الثاني من مارس/آذار 2026، من مكان قرب نهر الليطاني ستة صواريخ باتجاه إسرائيل في ما عُرف بـ"حرب إسناد إيران"، فكانت النتيجة أنه سلّم بلاد جنوب النهر لإسرائيل بعدما عجز عن التشبّث بجغرافيتها، ثم استدرجها نحو الشمال، أي إن "رجالاً" أقل ما يقال عنهم إنهم أشقياء منحوسون، غامروا بأرض جبل عامل فأضاعوا ملكا أعظم. 
أما أبناء الجبل المنكوب الذين أصابهم سهم الخسارة بمقتل، وهم يرون أرضهم تُنتزَع منهم وكل ما ورثوه من تاريخ يصبح أثرا بعد عين، فشرعوا يرثون المدن والقرى بقصائد مستغرقة في الحزن، مشغولة بالحسرة، معجونة بالألم، ويبكون عليها كما تبكي النساء أو أكثر.


هامش: إذا كانت غرناطة قد بقيت عامرة وظلت مفاتيحها تعمل، فإن مفاتيح العامليين سوف تصدأ على جدران الانتظار، فلا بيوت بقيت ولا أبواب ولا عودة تلوح في الأفق.

font change