مضيق هرمز يضيّق مساحة الاتفاق

أصرّت طهران على إغلاق المضيق، لكنها كثّفت في الوقت نفسه حراكها الدبلوماسي، في محاولة لتحصيل دعم من حلفائها التقليديين

مضيق هرمز يضيّق مساحة الاتفاق

استمع إلى المقال دقيقة

لم تُفضِ الجلسة الأولى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة التي ترعاها إسلام آباد إلى اتفاق مكتوب، وتوقّفت الحرب بينهما بفعل التوصل إلى هدنة شفهية. وفي الأسبوع الماضي تعثّرت المحادثات، وتأجّلت الجلسة الثانية التي كانت على وشك الانعقاد، مما أدى إلى تأخّر الاتفاق.

لكن رغم التعثّر ما زال الطرفان ملتزمين بوقف إطلاق النار، وإنْ من دون الالتزام بوقف تبادل التهديدات أو التصعيد الكلامي، إذ حذّرت إيران من "رد قوي" على أي عمل عسكري أميركي، فيما قالت واشنطن إن قواتها مستعدة لاستهداف أي تحرّك قد يهدد الملاحة في الخليج.

نقطة الخلاف الأساسية في المحادثات، على ما يظهر من تصريحات الطرفين، هي مضيق هرمز، بعدما أدى إغلاقه وتعطيل حركة الملاحة فيه إلى أزمة اقتصادية عالمية، تمثّلت في اضطراب أسواق الطاقة وتعطّل صادرات النفط والغاز وغيرها.

عقب الجولة الأولى من المحادثات، فتحت طهران مضيق هرمز، بعدها فرضت واشنطن حصارا بحريا شاملا على الموانئ الإيرانية، فأعادت طهران إغلاق المضيق. وإذا قررت واشنطن اللجوء إلى القوة لفتح المضيق، فستندلع الحرب مجددا، لأن طهران ستدافع عنه كونه الورقة الرابحة الوحيدة في يدها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ألغى زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، معلنا أن العرض الإيراني "غير كافٍ"، مشددا على أن أي اتفاق يجب أن يضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز من دون شروط، وعدم وصول إيران إلى السلاح النووي، وإلا "فلا يوجد سبب للاجتماع"، وأغلق الخطوط الدبلوماسية كلها، تاركا خط الاتصال الهاتفي فقط مفتوحا، وقال: "بإمكان إيران الاتصال إذا رغبت في الحوار".

في المقابل، أصرّت طهران على إغلاق المضيق، لكنها كثّفت في الوقت نفسه حراكها الدبلوماسي، في محاولة لتحصيل دعم من حلفائها التقليديين، فبعد جولة قام بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على البلدين الوسيطين باكستان وسلطنة عُمان، وصل يوم الاثنين الماضي إلى روسيا للقاء رئيسها فلاديمير بوتين، في إطار "التشاور بين الأصدقاء" حول الوضع الإقليمي كما أشار.

لا تقتصر نقطة الخلاف على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فهناك قضايا أخرى شائكة ومعقدة، وهو ما يجعل التوصّل إلى اتفاق شامل في المدى المنظور أمرا بالغ الصعوبة

فطهران ترفض العودة إلى المفاوضات قبل إنهاء الحصار البحري الأميركي المضروب على موانئها، وتحاول فرض هذه النقطة من خلال الوسطاء أو الحلفاء كشرط مسبق لأي حوار، علاوة على مطالبتها بمجموعة من الضمانات، تشمل الاعتراف بحقوقها النووية السلمية، ورفع العقوبات، ووقف الهجمات الإسرائيلية على حلفائها.
إلا أن هذا الطرح لا يزال يواجه رفضاً من واشنطن، التي تسعى إلى سحب ورقة المضيق من يد طهران دون قيد ولا شرط، وربط هذه الخطوة باتفاق أوسع يشمل تقليص البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، والحد من دور طهران الإقليمي.
وبينما يدور عراقجي على الدول الوسيطة والحليفة، معتنقا مبدأ التفاوض والتسوية، يحرّكه خوفه من الانهيار التام لاقتصاد البلاد، وخشيته على النظام من السقوط، يفضّل جنرالات في "الحرس الثوري" العمل وفق "استراتيجية الوقت"، إذ يعتقدون أن عامل الوقت يصبّ في مصلحتهم، لذلك يسعون إلى جعل الحرب استنزافية، وإذا كان عراقجي مفاوضا عقلانيا، فإن جنرالات "الحرس" الحاكمين أصوليون متطرفون يديرون الأزمة وفق عقلية مهدوية، تعتقد أن استمرار الحرب مع "الشيطان الأكبر" تمهيد لظهور الإمام المهدي المخلّص. 
على الطرف الآخر، يلعب غموض الاستراتيجية الحربية الأميركية دورا أساسيا في المواجهة وفي التفاوض على السواء، وبينما يواجه ترمب ضغوطاً متزايدة في الداخل، آخرها حادثة إطلاق النار في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، إضافة إلى محاولاته رفع منسوب شعبيته على مقربة من الانتخابات النصفية، وارتفاع وتيرة الهواجس من انعكاس تكلفة الإنفاق على الحرب على الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار الطاقة والتضخّم، لا تزال إدارته العميقة متمسكة بشروطها. 
في الواقع، لا تقتصر نقطة الخلاف على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فهناك قضايا أخرى شائكة ومعقدة، وهو ما يجعل التوصّل إلى اتفاق شامل في المدى المنظور أمرا بالغ الصعوبة، وما يجعل المفاوضات أيضا تبدو عالقة بين مقاربتين: سعي طهران إلى استخدام أوراق القوة التي في حوزتها لتحسين شروطها، مقابل ضغط واشنطن باتجاه اتفاق يعالج مجمل الملفات دفعة واحدة ولمرة واحدة، وفق رؤيتها.
وبين المقاربتين، تبذل الدول المؤثرة في المنطقة جهودا كبيرة لاحتواء التصعيد، وتضغط للحؤول دون انفلات الأمور. وفي هذا الوقت تبقى الأزمة مشرعة على احتمالات متعددة، على رأسها إمكانية الانزلاق نحو مواجهة جديدة في أي لحظة.

font change