تغرق الشريحة الكبرى من الجماعة الشيعية في لبنان، نتيجة كوارث حربين متتاليتين، في حالة من الإحباط المجتمعي (إذا صح التوصيف)، تتراخى بسببها قدرتها على مقاومة الضغوط، واستيعاب الظروف وتحليلها، وتُفقدها في الوقت ذاته ثقتها بنفسها وبدورها. وإذا رأيناها صامتة لا تعترض أو تنتفض ولا تسأل عن حلول، فهذا لا يعني أنها راضية بما يجري، بل هي صامتة بدافع الخوف من سلطة القمع والتخوين، ومن سلطة المجهول أيضا.
يصل الإحباط المجتمعي في أحيان كثيرة إلى حدّ لا تعود فيه أي كارثة مهما كبرت، صادمة، فيعتاد الناس على عدم الحل كحل وحيد، ولعل هذا المزاج يسيطر على الجماعة الشيعية حاليا، كما يهدد ديناميتها بشكل مباشر، ذلك أن المجتمع الغاضب هو مجتمع حيّ لأن لديه ما يخسره، أما المجتمع المحبط فهو مجتمع ميت لأنه لم يعد لديه ما يخسره.
إذا تتبّعنا النشاط الاجتماعي التعبوي لـمسؤولي "حزب الله" في مراكز الإيواء وتجمّعات النازحين، يمكن القول إن الخطاب الديني الغيبي الذي يركّز على الصبر (وما النصر إلا صبر ساعة) والتحمّل والتأسّي بالرسول وآل بيته، هو المتسبّب الأول في خلق شعور الإحباط لدى الشريحة الكبرى من الجماعة الشيعية الآن، لأن الشيء الوحيد الذي يقدّمه هذا الخطاب هو أنه يعد بما وعد به بالأمس وسيعد به غدا: النصر الإلهي.
في حين أن "حزب الله" يعرف وبيئته تعرف والطائفة الشيعية كلها تعرف، أن هذه الوعود ليست سوى أضاليل، وأن النصر الفعلي هو نصر أرضي ولا يحتاج إلى "مدد"، وأن العقيدة لا تصمد أمام الآلة، والإيمان غير المسلّح بالتكنولوجيا الحديثة لا يهزم العدو، الذي زعم القائد أنه "أوهن من بيت العنكبوت".
المتسبّب الآخر هو الإعلام الحزبي الموجّه، إذ يلعب الناطقون باسم جبهات "المقاومة" وبالنيابة عن "المجاهدين"، دورا أساسيا في صناعة الإحباط، من خلال أحاديثهم الحماسية عن "البطولات" الميدانية لمقاتلي "حزب الله"، وتعميمهم خلطة من الأخبار الممزوجة بفائض القوة وفائض السيطرة وفائض الدور عن المعارك العسكرية، بينما الوقائع عكس ذلك.
وبذلك لا يعود الإحباط مجرد حالة نفسية معزولة، بقدر ما هو نتيجة طبيعية للخطاب الغيبي والمعارك الخيالية والوعود الكاذبة.
الخطوة الأولى على طريق الشفاء من محنة الإحباط، تبدأ بالاستسلام للدولة، حرفيا، وعلى كل المستويات، والأخيرة ينبغي أن تكون صادقة بأن تحصر وعودها بما هو ممكن واقعيا، وما هو قابل للتحقيق
إضافة إلى ذلك، حين ترى الجماعة جنود الاحتلال يتوغّلون في عمق المدن والقرى الجنوبية، ويفخخون البيوت ويفجّرونها، ويتنقّلون بأمان بين ضفتي نهر الليطاني، يموت حلم عودتها ويكبر هاجس الترانسفير، فيتولّد لديها شعور بالعجز يضاعف بدوره شعور الإحباط ويغذّيه.
على المستوى النفسي، يظهر الإحباط لدى الجماعة على شكل خدر جماعي، فإذا قارنّا حاضرها بماضيها، نجد أن أخبار "المقاومة" والبطولات الملحمية لمقاتليها، كانت تُثير لديها شعورا بالتفاخر والتفوّق، أما اليوم، فنجد الغالبية تتعامل مع الأخبار الآتية من أرض المعركة بكثير من البرود أو التجاهل أو حتى عدم التصديق.
الواقع يقول إن التجارب تصنع المواقف، وقد يصل تراكم التجارب السلبية بالشريحة الكبرى من الجماعة الشيعية يوما ما، إلى نقطة تكذيب كل وعد حتى لو كان "وعدا صادقا"، وكل خطاب يعد بالأفضل مثل "نحمي ونبني" أو "سنعيدها أجمل مما كانت"، ومن الممكن أن يدفعها إلى القيام بمحاولة انقلاب وليس إلى حركة اعتراض فقط.
لكنّ انعدام التفاعل نتيجة الإحباط، موجود أيضا في تاريخ المجتمعات والجماعات، في مثل هذه الحالة، يتراجع الفعل السياسي ليحلّ محله التكيّف السلبي، فتنصرف الجماعة المحبطة إلى البحث عن طرق مؤقتة للمضي في حياة مؤقتة، على حساب التفكير في تغيير واقعها.
ولعل الأكثر خطورة من ذلك كله، أن تتوسّع دائرة الإحباط ليصبح جزءا من هوية الجيل الطالع، فالجيل الذي قضى السنوات الثلاث الأخيرة من عمره نازحا هاربا فاقدا حقه في الاستقرار والأمان النفسي، مكبلا بالانكسارات اليومية لكرامته الإنسانية في "ميادين" الخيم ومراكز الإيواء، سوف ينفصل عن الواقع ويتعامل مع أي نقاش سياسي كفصل ممل في دفتر معاناته الشخصية، ويرى سؤال الوجود والهوية مجرد ثرثرة فوق جثة مستقبله.
الخطوة الأولى على طريق الشفاء من محنة الإحباط هذه، تبدأ بالاستسلام للدولة، حرفيا، وعلى كل المستويات، والأخيرة ينبغي أن تكون صادقة بأن تحصر وعودها بما هو ممكن واقعيا، وما هو قابل للتحقيق، وأن لا تكرر الأخطاء المميتة نفسها، ثم شروع الطرفين في إعادة إعمار الثقة بينهما قبل إعادة إعمار الحجر.