صباح الأحد 31 مايو/أيار، وبعد 90 يوما من العمليات العسكرية والغارات الجوية والتقدّم البري في جنوب لبنان، ردّا على صواريخ "حزب الله" الستة، أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته الكاملة على قلعة الشقيف في منطقة النبطية على الضفة الشمالية لنهر الليطاني، ونشر صورا تظهر علم إسرائيل وعلم لواء غولاني مرفوعين على أبراج القلعة.
مع سقوط القلعة تتخذ نكبة الجنوبيين بعدا هوياتيا ثقافيا، يطال الذاكرة المؤسِسة التي شكّلت جذور وعيهم المكاني، ويمس بشكل مباشر شخصيتهم العاطفية الجماعية وروابطها وارتباطاتها.
فعلاوة على موقعها الاستراتيجي وأهميتها العسكرية، كانت القلعة دوما العنصر الأساسي في خلفية الصورة المجتمعية التي يقدّمها أهالي المنطقة عن أنفسهم، وتعريفا أصيلا لهويتهم المكانية.
تاريخيا، كل مجتمعات القرى المحيطة بالقلعة دخلت ضمن نظامها الاجتماعي والاقتصادي والأمني، وتفاعلت مع من أقام فيها كما لو أنه جزء من بيئتها، مما أنتج تفاعلا ثقافيا وشخصية محلية منفتحة.
وإلى يومنا هذا، بقيت القلعة امتدادا لمساحات القرى من حولها لمنعتها وصمودها، ولتماسكها الاجتماعي وتمسكها بهويتها في وجه الاحتلالات المتعاقبة، وفضاء اجتماعيا رديفا لبيوتها، فلا يوجد بيت في هذه القرى إلا وفيه شرفة تطل عليها أو شباك يفتح على مشهدها، ولا تُقام مناسبة فرح أو حزن إلا وتكون القلعة شريكة فيها، حتى حين تسأل أحدهم وأنت تهمّ بالصلاة: أين القبلة؟ يجيبك باتجاه القلعة.
تقوم قلعة الشقيف على جرف صخري شاهق فوق مجرى نهر الليطاني مباشرة، يتجاوز ارتفاعه السبعمئة متر، في داخلها تجويف لولبي يصل إلى مصب النهر، وتتألف من أنفاق وقاعات وغرف سفلية وعلوية وأبراج بمقدور من يقف فوقها أن يرى في النهارات الصافية بحيرة طبريا وأطراف غور الأردن، وفي كل ساعة يمكنه مشاهدة البحر المتوسط من الغرب وجبل الجولان السوري من الشرق، بينما تظهر أمامه الجغرافيا اللبنانية مثل كتاب مفتوح.

