لم تكن ترتيبات جنازة "المرشد" الإيراني علي خامنئي في طهران، مجرد شعائر دينية أو مراسم رسمية لتشييع زعيم سياسي أو ديني، بقدر ما كانت فصلا من فصول استراتيجية جديدة أعدّها النظام الإسلامي لترميم هيبته وسلطته، إثر التحديات الوجودية التي واجهها في الأشهر الفائتة.
فقد مثّلت الجنازة أول اختبار عملي لقدرة النظام على تقديم صورة مستقرّة عن البلاد في مرحلة ما بعد خامنئي الأب.
إذا أمعنا النظر في الصورة الرسمية لمشهد الوداع الأخير، من حيث ترتيب الشخصيات في الصفوف الأمامية، وغياب أخرى رغم تأثيرها في المشهد السياسي الإيراني، نجد أن الترتيبات لم تكن مجرد تفاصيل بروتوكولية، إنما مؤشرات تعكس التوازنات الجديدة داخل النظام، وآليات تقاسم النفوذ بين النخبة الحاكمة، وتقدّم لمحة مبدئية عمّن سيدير دفّة المرحلة المقبلة.
لذلك يمكن القول إن النظام نجح في استخدام الجنازة من أجل صناعة مشهد سياسي محكم، ليؤكد من جهة أنه تجاوز بنجاح أخطر لحظاته تعقيدا وتهديدا (اغتيال المرشد) ومن جهة أخرى، ليعطي انطباعا بأن هناك زمنا سياسيا جديدا نهض من رماد القديم.
طوال فترة قيادته التي استمرت 36 عاما، شكّل "المرشد" الراحل علي خامنئي نقطة تلتقي عندها المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والجيش والبازار والقرار السياسي، الأمر الذي جعل استقرار النظام يعتمد بدرجة كبيرة على وجوده، واستمرار الدولة يرتبط بشخصه، لذلك، لم يكن التحدي الأكبر بعد مقتله محصورا باختيار خليفة له فقط، إنما بحماية المؤسسات الدستورية من الانهيار.
بناء على هذه الخلفية، بدت مراسم الجنازة بمثابة رسالة موجّهة أولا إلى داخل النظام، أي إلى النخبة الحاكمة، ذلك أن مؤسسات النظام الدينية والأمنية والاقتصادية والسياسية، كانت بحاجة إلى الطمأنة بأن عملية إعادة تثبيت السلطة بعد رحيل "المرشد" لن تحوي مفاجآت كبيرة، إنما تسويات سريعة، وأن النظام باقٍ على قديمه إنما مع بعض التعديل في مراكز القيادة، من حيث تقديم تيار على حساب استبعاد آخر.
الجنازة أعلنت نهاية مرحلة سياسية للنظام الإيراني وبداية مرحلة جديدة، لن تكون بالضرورة مستقرّة، وقد تكون ملأى بالمفاجآت والتحوّلات غير المتوقعة داخليا وخارجيا
أما الرسالة الأخرى فكانت عابرة للحدود، إذ تكتسب مراسم تطواف النعش في مدن شيعية عراقية (اليوم الأربعاء) أبعادا سياسية وأمنية، يرسل من خلالها النظام الإيراني إشارات إلى حلفائه في المحور وضمن دائرة نفوذه الإقليمي، بأن رحيل "المرشد" الأب لن يسفر عن أي تغيير في خطط التعاون الاستراتيجي أو في السياسات الإقليمية، وأن شبكة التحالفات التي بناها في المنطقة ستبقى قائمة، وأن انتقال القيادة إلى نجله حصرا، يؤكد المضي في هذا الطريق.
كذلك يمكن اعتبار الجنازة "المليونية" بأنها رسالة ولائية، فمشهد الملايين المشاركين في التشييع، كان غرضه إثبات وجود علاقة عميقة بين الأمة والإمام (دولة ولاية الفقيه)، ودحض مسألة الانفصال بين الدولة والشعب (دولة القانون).
لكن، برغم الرسائل ذات المعاني والدلالات، يبقى غياب "المرشد" الجديد مجتبى خامنئي عن جنازة والده، وغيابه أيضا عن جنازة زوجته في اليوم السابق، الرسالة الأكثر غموضا وحاجة إلى التفكيك، إذ يشكك غيابه في حجم الطمأنة التي سعى النظام إلى بثها باختياره خلفا لوالده، وكذلك بمدى استقرار صورته داخليا وخارجيا.
فلو عمد "المرشد" الجديد إلى الظهور العلني، أو مخاطبة الجمهور عبر الفيديو أو التسجيل الصوتي، كما يفعل الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، أو كما كان يفعل الأمين العام السابق حسن نصرالله على مدى عقود، لقطع الشك باليقين أن النظام استعاد عافيته حقا، واستقرّت صورته كما كانت بشكلها الحاسم قبل عملية اغتيال "المرشد" السابق، إلا أن الاستمرار في الحضور الشبحي والرسائل المكتوبة (12 رسالة)، يوحي بأن النظام يكذب بشأن تعافي وعافية "المرشد" الجديد، ويخبّئ سرا خفيا ومخيفا وراء الغياب.
وعليه، يبدو أن النظام توسّل الحضور الجماهيري المليوني، كونه المشهد الوحيد حاليا الذي يمكن أن يعوّض غياب اليقين السياسي، فحين تلجأ الأنظمة ذات الطابع الشخصاني إلى الاستعراضات الحاشدة، والمراسم الاحتفالية المكلفة ماليا، فهي في غالب الأحيان تحاول التغطية على قلقها بشأن مستقبلها السياسي.
يمكن القول إن الجنازة أعلنت نهاية مرحلة سياسية للنظام الإيراني وبداية مرحلة جديدة، لن تكون بالضرورة مستقرّة، وقد تكون ملأى بالمفاجآت والتحوّلات غير المتوقعة داخليا وخارجيا، وأنها برغم الزخم الذي منحته للنظام، لم تزح فكرة أنه يحتاج ليستقرّ أو ليستمرّ إلى معالجة عقليته أولا، وليس إلى بعث الرسائل في كل الاتجاهات.