متى كتب الشاعر السوري محمد الماغوط قصيدة "الحصار"، وتحت أي ظرف وعن أي خذلان وفي أي عصر؟
متى أعلن:
"أما أنا فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق...
لأعود كما كنت،
حاجبا قديما على باب الحزن
ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان
تؤكد أنني لن أموت إلا جائعا أو سجينا".
أكان ذلك اليوم أم البارحة أم في حرب قادمة؟
ينحدر الجوع في قصيدة الماغوط من ضرع الجوع ذاته في قصيدة السياب "أنشودة المطر"، ومن سلالة الجوع إلى الحوار في كلمة المسرح العالمي لمواطنه سعد الله ونوس في يوم المسرح. نيرودا في أنشودة إلى الفقر، والشعر الذي رفع راية الجياع: الخبز والحرية.
في حين اقتربت الإنسانية من ضفاف المياه لتعمر حضاراتها، كانت الحروب تترافق بالمجاعات والخراب عبر التاريخ لتهدم هذه الحضارات وتجفف منابعها. وكانت المجاعات أيضا توطئة للحروب وانتهاكا لإنسانية الإنسان.
وبدأ الخبز ينضج في الشعر في أرجاء الكون. أصبح الخبز كودا شعريا يرسم خارطة الظلم والتضامن والعدم.
المجاعات ذاكرة الجوع الجمعية. والجوع ذاكرة الجياع فردا فردا. المجاعة هي ريسكيلاج العنف، وتكثيف الحرمان في أعنف صور التوحش والانحدار. الوحش الزاحف الأصم الأعمى. شهدت الإنسانية هذا التوحش في مجاعات لا ينساها التاريخ، منها في سوريا مع حصار حمص والغوطة الشرقية وكثير غيرها، وكان شعار النظام "الجوع أو الركوع".
وما نزوح القرى والمدن في لبنان الآن ونسف البيت ومؤونة البيت سوى كل هذا معا. وفي غزة ترافق الحصار مع الإبادة.
لم يغادر الماغوط سوريا، انزرع فيها كعنوان. لكنه في منتصف الخمسينات عند خروجه من سجن المزة في دمشق بعد فترة سجن امتدت قرابة العام، خرج متخفيا إلى بيروت، وهرب معه في بطانات ملابسه قصائد كان كتبها على أوراق السجائر. هناك التحق بمجموعة مجلة "شعر"، والتقى السياب الذي كان في بيروت. تسكعا في العاصمة وضحكا وتاها وتصادقا. كتب الماغوط في السياب قصيدة رثاء بديعة وعده فيها باللقاء في يوم قريب قادم. رحل الماغوط ولا بد أنه التقى زميل الحرمان في الزمن العربي البخيل بالحريات، السخي في الرحيل. هناك حيث ظلال الحور تمتد في الأبد.
كان الجوع والخوف والسجن والاستبداد بكل أنواعه، ثيمات شعره الأثيرة. وانتحى مكانة له بين الناس ومعهم. بقي طوال حياته يخاف رنة الجرس في الليل، ويخشى الاعتقال.
كان الخوف كما قال في فيلم "إذا تعب قاسيون"، يطلع له في القصيدة، في الماء، في الفم الذي يقبله، وفي الطعام الذي يتناوله، وفي صلاته إلى الله.
من هذا الشقاء كانت ثيمات شعره الجارحة الحارة الحرة. يقعى بأسماله في قصيدة من قصائده أمام كاميرات السائحين على عتبة الفندق كي يلتقط السياح له صورة، ثم يرجوهم أن يكتبوا على قفا الصورة: "هذا شاعر من الشرق".
عاش طفولة فقيرة في بيت أبويه. كان فخورا بهما، بشقائهما والعمل والانتماء.
كان يحكي في اللقاءات عن المشي حافيا، ويضحك. يضحك من تعاطف الناس مع القدمين الحافيتين ويسخر من محاباتهم للطغاة ومن خرسهم عن إدانة الفقر. حكاياته أنيسة شعره. والسخرية المريرة ما هي إلا بريق إبداعه واقترابه من جمر الحقيقة.
في قصيدة طلب من أبيه أن يبيع أقراط أخته الصغيرة كي يشتري له صندلا. صرخ في وجه الفقر وأحب ودافع وحمى الفقراء بجسده وعواطفه وتمثل بهم. سخر في شعره من السلطة، وترفع بفضل هذه السخرية والعبث، ترفع عن الكراهية.
كان الخوف يطلع له في القصيدة، في الماء، في الفم الذي يقبله، وفي الطعام الذي يتناوله، وفي صلاته إلى الله
كان يحكي عن الفقر ومع الفقر كصديق. كسمير الطفولة والمراهقة. قاوم اغترابه عن هذا الكون بالشعر والصداقة.
عبرت حروب العالم والنكبات والخسارات حياته، شِرش الخوف في الحياة، وكانت حريته ندا لكل هذا الظلم.
ينظر من شبابيكه إلى البعيد فيرى البعيد، يرى رفاقه في الجوع والبرد والخوف والزهد.
في فيلم "إذا تعب قاسيون" سألته: ما هي أمنيتك؟
كان جالسا في مكانه الدائم على الكنبة في صالونه المشمس المتواضع الحميم، يلبس بيجامته الزرقاء التي اشتراها خصيصا للفيلم، أجاب وهو ينحني على نفسه، ورفع نظره قليلا والتمعت عيناه الزرقاوان، كان يرى أمنيته التي حطت على النافذة أمامه.
"أمنيتي أن لا يبقى إنسان جائع على وجه الأرض وأن تختفي السجون".
ورحل الماغوط بعد أقل من عام على هذه الأمنية. أمنية وطن بأكمله، تاريخ بأكمله، شعوب بأكملها.
كان الطغيان والفساد آنذاك يقيمان في الحياة اليومية. ما مر يوم وليس في سوريا سجين، و"ما مر عام والعراق ليس فيه جوع".
هذه الأمنية لا تبرح شمسُها سوريا.
عاش الماغوط نكبة فلسطين ونكسة العرب وحروب الكون والانتكاسات الفكرية والانقلابات وحكم العسكر وخشي الأيديولوجيات المتطرفة، وسخر منها. قاوم الحصار بالشعر والحرية، جالسا على كرسيه العتيق يحرس الأحزان. لا يزال الشاعر يكتب قصيدة الحصار.