حرب إيران تختبر متانة الاقتصاد التونسي وكفاءة شبكات الأمان الاجتماعي

صندوق الطوارئ يموّل العجز وزيادات الأجور خارج الحوار تخفي تقشفا مؤجلا

المجلة
المجلة

حرب إيران تختبر متانة الاقتصاد التونسي وكفاءة شبكات الأمان الاجتماعي

لجأت السلطات التونسية إلى صندوق الطوارئ لتغطية العجز الناجم عن ارتفاع أسعار النفط بسبب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز. وفي حال استمرار التصعيد، سيكون مطروحا على صناع القرار في تونس تقديم خطة عملية تتيح التزام القرار السياسي الذي اعلنه رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد نهاية شهر آذار /مارس المنصرم، أو ما بات يعرف باللاءات الثلاث: لا زيادة في اسعار المحروقات، ولا تجميد للتوظيف في القطاع العام، ولا تراجع عن الزيادات المقررة في أجور العاملين بالدولة.

تطرح هذه الخيارات تساؤلات عن مدى واقعية التفاؤل الرسمي في إدارة أزمة تداعيات حرب الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك أكثر مع السيناريوهات السوداوية التي قد تنجم عن الحرب، على غرار عودة ارتفاع التضخم وتوسع تكلفة الطاقة وأسعار الأسمدة والسلع الغذائية، مرفقة بتراجع عائدات السياحة وتحويلات المغتربين التونسيين، خاصة العاملين في دول الخليج والبالغ عددهم نحو 100 ألف تونسي.

تظهر تونس ضمن قائمة الدول الأكثر تضررا من تداعيات حرب إيران وفق تقرير للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار الذي شمل مناطق نشاطه، وتوقع فيه استقرار أسعار النفط الى ما فوق 100 دولار للبرميل، وهو معطى سيؤدي الى ارتفاع التضخم العالمي.

لا زيادة في اسعار المحروقات، ولا تجميد للتوظيف في القطاع العام، ولا تراجع عن الزيادات المقررة في أجور العاملين بالدولة

وتبرز معطيات اقتصادية دولية حادة في هذه الأزمة التي يعتبرها رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، في حوار مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، بأنها أشد من أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة، مبينا أن الحرب تعطل الشرايين الأساس للاقتصاد العالمي، خصوصا أن ذلك يشمل إضافة الى النفط والغاز، الأسمدة والبتروكيماويات والهيليوم. وحذر المسؤول الكبير الذي وصف نفسه بـ"المتشائم جدا"، من أن العالم مقبل على ما أسماه بـ"أبريل أسود".

.أ.ف.ب
عامل تونسي يقوم بتعبئة قوارير الغاز عن الشركة الوطنية للطاقة، 16 يناير 2025

من هنا تفهم أسباب المخاوف من التفاؤل الرسمي الذي يمكن اعتباره أيضا تغليبا للحسابات السياسية على متطلبات حسن التدبير الاقتصادي في إدارة أزمة تبدو الأخطر منذ عقود على اقتصاد يُعول بشكل مطرد على التوريد ويعاني من هشاشة الصدمات الاقتصادية الخارجية التي تؤثر ، حسب البنك الدولي، على التضخم وتكلفة الواردات وميزان التجارة الخارجية وسعر صرف الدينار وعلى تكلفة الاقتراض الخارجي.

الصندوق استنفد بسرعة نصف موارده

يقدر حجم الدعم العام الموجه للطاقة والمواد الأساس والنقل حسب موازنة هذا العام، 3.1 مليارات دولار (9.7 مليار دينار تونسي)، فيما تم رصد 8.6 مليارات دولار (25.2 مليار دينار) كاعتمادات بعنوان التأجير لـ687 ألف عون وموظف لديها، وبرمجت الحكومة 51,878 انتدابا جديدا، منها احداث 22,523 خطة تأجير إضافية الى جانب تسوية وضعيات كعقود العمل الهشة. في هذا الصدد رجح خبراء صعوبة التزام تفعيل التوظيف في الدولة والزيادات في الأجور بسبب الضغوط التي ستتسبب بها الحرب على خزينة الدولة.

ستكلف الزيادة في أسعار النفط خزينة الدولة 171 مليون دولار شهريا، في وقت تسعى تونس لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وضبط التوازنات المالية

وتعيد تطورات الشرق الاوسط إلى الأذهان كيف ضربت الحرب الروسية - الأوكرانية الاقتصاد التونسي على المستويين الكمي والواقعي الملموس بدخوله مرحلة تباطؤ حاد وركود تجلت في تسجيل نسبة نمو لم تتجاوز 0.2 في المئة عام 2023. وفُسر هذا الأداء بتعطل الدورة الإنتاجية وتوسع عجز الميزان التجاري جراء ارتفاع أسعار الطاقة والتغذية. كما شهدت الأسواق اضطرابات وتذبذبا في عمليات تزويد المواد بالإضافة الى ندرة بعضها.

أ.ف.ب.
البرلمان التونسي ، العاصمة تونس31 مارس 2022

على هذه القاعدة، وجهت الحكومة نصف موارد صندوق الطوارئ لتغطية الزيادة في أسعار النفط. وأكد رئيس لجنة المالية في البرلمان ماهر الكتاري، في حديث مع "المجلة"، أن الزيادة في أسعار النفط ستكلف خزينة الدولة 171 مليون دولار شهريا (500 مليون دينار شهريا) بما يمثل، وفق قوله، ضغطا مضاعفا على توازنات المالية العمومية. ولفت إلى أنه سيتم امتصاص ما اسماه بالموجة الأولى من الزيادات في أسعار النفط عبر صندوق الطوارئ. ورجح أن تتراوح الزيادة في الأسعار بين و40 و50 دولارا مقارنة بالسعر المرجعي 63.3 دولارا للبرميل.

وأضاف الكتاري: "للدولة حساب مخصص لمجابهة الكوارث الطارئة وتناهز اعتماداته 343 مليون دولار (ما يعادل مليار دينار)، وهو ما يشكل آلية تدخل ظرفية يمكن اللجوء إليها في مثل هذه الوضعيات الاستثنائية. وقد استهلك جزء من هذا الرصيد خلال فترة وجيزة (تقريبا نصفه) منذ بداية الحرب. وتهدف هذه الآلية إلى الحد من الانعكاسات المباشرة لارتفاع أسعار النفط على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر على المحروقات فقط بل يشمل كامل سلسلة الإنتاج والنقل والخدمات بما يؤدي الى ارتفاع عام في الأسعار، ويساهم بالتالي في تسارع نسق التضخم".

وحسب الكتاري، يمثّل هذا الصندوق احتياطيا ماليا للدولة للتصرف عند الأزمات الطارئة، يسمح لها بتدخل سريع لتخفيف أثر الصدمات الاقتصادية والاجتماعية. وتابع: "يمكن لاحقا إصدار قانون مالية تكميلي تبعا لتطورات الحرب، لكن لا ينبغي اعتبار هذا الخيار كإجراء سلبي، وإنما كأداة لإعادة توزيع موارد الدولة وتحيين الفرضيات التي بني عليها قانون المالية الأصلي، وفي كل الحالات فإن الأسعار لا تعود عادة الى مستوياتها السابقة بشكل فوري" .

إن العمل جار على تطبيق الزيادة في الأجور التي أقرها البرلمان في موازنة العام 202 لاستجابة مطالب المواطنين في كل مكان

الرئيس التونسي قيس سعيّد

ويبدو أن سيناريو خروج الأسعار عن السيطرة هو الشغل الشاغل للسلطات التونسية، ولفهم أسباب هذه المخاوف يكفي التجول في الأسواق التونسية ومعاينة منحى الارتفاع الحاد في أسعار المواد والمنتجات الغذائية الطازجة مثل الخضر والغلال واللحوم والأسماك، إذ تجاوزت نسبة ارتفاع الأسعار تراكميا خلال السنوات الأربع الأخيرة الـ 60 في المئة في بعض الفئات، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

الزيادة في الأجور خارج الحوار الاجتماعي

من جهة أخرى، تسود حالة ترقب للأوامر الترتيبية المتعلقة بالزيادة في الأجور لمعرفة كل التفاصيل الخفية لهذه الزيادة كونها  حددت كمبدأ بفصل في قانون المالية لأول مرة في تاريخ تونس (العادة تتم بمفاوضات مع النقابات والأعراف). وستشمل الزيادات القطاعين العام والخاص والمتقاعدين. وقال الرئيس سعيّد في مقابلة في 6 أبريل/نيسان الجاري: إن العمل جار على تطبيق الزيادة في الأجور التي أقرها البرلمان في موازنة العام 2026 لاستجابة مطالب المواطنين في كل مكان، ولا بد أن تصدر النصوص القانونية التي تجسد هذا".

أ.ف.ب.
محصول الزيتون في منطقة باجة، تونس 12 نوفمبر 2025

وذكر الخبير في الضمان الاجتماعي الهادي دحمان في تصريح لإذاعة "اكسبرس اف ام" المحلية أن الزيادات "لم تأت في إطار حوار اجتماعي مع المنظمات المهنية"، مرجحا أن تبلغ الزيادة 4.3 في المئة، مع إمكان تأجيل تطبيقها الى السداسي الثاني من هذا العام.

التعويل على الجزائر وكازاخستان

تبنت جل الحكومات سواء للدول المتضررة بشكل مباشر أو غير مباشر من الحرب، خطط تقشف وإدارة حذرة للمالية العمومية بلغت حد إعلان حالة الطوارئ. وتعددت الإجراءات على غرار ترشيد الإنفاق الحكومي وتجميد الاستثمارات العامة والضغط على استهلاك الوقود واعتماد العمل من بعد.

في المقابل، لا تزال تونس خارج موجة التقشف في غياب أي نقاش عام او إشارات رسمية توحي بإمكان التوجه نحو إقرار تدابير تحوط. ويقول الخبير الاقتصادي هشام العجبوني في تصريح لـ"المجلة" إن "الغريب هو عدم وجود استشراف لتداعيات التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد الوطني، وكان يمكن التقشف أن ينطلق بآلية التعديل الآلي لأسعار المحروقات التي ستجنب صدمة ارتفاع مفاجئ للأسعار."

وأضاف: "قد يتأثر الاقتصاد بقوة من تداعيات الحرب بسبب تراجع عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج وبتراجع الاقتصاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لبلادنا. وسيكون من المهم تجنب السيناريو الأسوأ وهو العجز عن استيراد المواد الطاقة. لذلك، علينا البحث عن اتفاقيات مع الجزائر وليبيا لتمويل الطاقة بأسعار تفاضلية. فقد نضطر مكرهين أيضا إلى العودة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لأن تكلفة الاقتراض سترتفع وسيكون من الأفضل الاقتراض بنسبة 2 او 3 في المئة لا سيما أننا نقترض بنسب أكبر بكثير بلغت حتى الـ14 في المئة"

قد يتأثر الاقتصاد بقوة من تداعيات الحرب بسبب تراجع عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج وبتراجع الاقتصاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لبلادنا، وسيكون من المهم تجنب السيناريو الأسوأ وهو العجز عن استيراد مواد الطاقة

الخبير الاقتصادي هشام العجبوني

من جهته، أكد الكتاري  أنه سيتم إعلان إجراءات قال إنها ستكون في شكل تشريعات ستحال إلى البرلمان قريبا، لافتا إلى أن دولا عدة على غرار إيطاليا وفرنسا وإسبانيا أقرت جملة من التوجهات لتعديل الآليات الجبائية المرتبطة بالمحروقات على غرار مراجعة بعض الاداءات لتفادي الصدمات المباشرة على الأسعار بهدف حماية الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتابع: "هناك تفكير في مراجعة الأداءات والرسوم المفروضة على المحروقات والهيدروكربونات باعتبارها عنصرا مؤثرا في تحديد السعر النهائي عند نقاط البيع، بما قد يسهم في تخفيف حدة الزيادات. كما يتم النظر الى آليات مالية بديلة على مستوى الشركات من خلال صيغ تسوية مالية او ائتمان ضريبي ضمن الاطار العام للموازنة بما يحد من لجوء المؤسسات إلى الترفيع المباشر في أسعار منتوجاتها".

أ.ف.ب.
تونسية تقطف البرتقال من مزرعة في مدينة نابل، تونس 16 يناير 2026

للإشارة ، كان كاتب الدولة للانتقال الطاقي وائل شوشان قد أكد لدى حضوره في البرلمان يوم 4 مارس/ آذار المنصرم، استعداد الوزارة بالتنسيق مع وزارة المالية ماليا ولوجستيا لمجابهة ارتفاع أسعار البترول. وكشف أن الوزارة عملت على توقيع غالبية عقود النفط الخام مع أذربيجان ومعظم عقود غاز البترول المسال مع الجزائر إضافة إلى نسبة محدودة مع المزودين الأوروبيين.

وحسب الكتاري، فإن كاتب الدولة كشف للنواب خلال الجلسة أن السلطات التونسية تستورد أكثر من 70 في المئة من النفط الخام من أذربيجان و90 في المئة تقريبا من حاجاتها من الغاز من الجزائر والبقية من إيطاليا وفرنسا.

يأتي هذا التعويل الكبير على الاستيراد بعد تراجع تاريخي للإنتاج المحلي من النفط بنسبة 13 في المئة ليصل إلى 28 ألف برميل عام 2024، وهو أدنى مستوى منذ أول سنة لإنتاج النفط في تونس عام 1966، بحسب تقرير بعنوان "النفط والغاز في تونس: انهيار الإنتاج واعتماد قياسي على الواردات" لـ"ماس"، إحدى أبرز المنصات الدولية المتخصصة في قطاع الطاقة. كما انخفض إنتاج الغاز بنحو 60 في المئة منذ ذروة الإنتاج عام 2010 عندما بلغ 310 ملايين قدم مكعب يوميا. ويؤكد التقرير ان الإنتاج المحلي كان في ذلك الوقت يغطي 58 في المئة من الطلب بينما لا يغطي اليوم إلا 28 في المئة فقط.

الحصيلة إذن، تراجع مستوى الاستقلال في موارد الطاقة بنسبة 19 في المئة، وجاء هذا التراجع نتيجة انخفاض إنتاج النفط والغاز إلى مستويات متدنية جدا، مقابل ارتفاع الطلب على النفط بنسبة 8 في المئة ليصل الى 94,400 برميل يوميا، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الاعتماد على الواردات الى مستوى قياسي بلغ 70.7 في المئة.

هذه الأرقام تعكس تراجعا هيكليا واضحا في قطاع الطاقة مع انخفاض الإنتاج المحلي مقابل ارتفاع الطلب، وتسبب ذلك بارتفاع حجم الاعتماد على الواردات وتفاقم عجز الطاقة، مما يجعل الاقتصاد التونسي أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار النفط العالمية، وفق التقرير. لذلك تبرز الأزمة الجديدة كفرصة للتسريع في مشاريع الانتقال الطاقي لبلاد مؤهلة لأن تكون منصة طاقة لأوروبا.

font change