إيران... سياسة تبادل الأدوار الجديدة

يبقى التساؤل، هل ما نراه اليوم من تباينات وخلافات حول المفاوضات هو صراع نفوذ بين أجنحة النظام، أم إنه مجرد فصل جديد من مسرحية تبادل الأدوار

إيران... سياسة تبادل الأدوار الجديدة

استمع إلى المقال دقيقة

من يقرأ التاريخ السياسي الإيراني بتمعن، يدرك أن طهران تتقن لعبة "تبادل الأدوار" وهي سياسة اعتمدها النظام لعقود طويلة لامتصاص الأزمات وتمرير أجنداته، وفي كل مرة يشتد فيها الخناق الدولي أو تتصاعد الاحتقانات الداخلية، يخرج النظام بورقة جديدة، تارة يقدم التيار الإصلاحي بوجه مبتسم ومنفتح على العالم، وتارة أخرى يطلق العنان للتيار المحافظ لإيصال رسائل المواجهة، وفي كلتا الحالتين يبقى جوهر النظام واحدا والهدف الاستراتيجي ثابتا لا يتغير، حيث أثبتت التجارب مرة بعد أخرى أن الاختلاف بين التيارين هو اختلاف في التكتيك، بينما القرار الاستراتيجي يبقى في يد "المرشد الأعلى" ومن حوله من دائرة صنع القرار الضيقة التي لا تتأثر بتغير الوجوه.

من يتتبع هذه السياسة يجد أمثلة أكثر من أن تحصى، ففي مرحلة التسعينات استخدم النظام الرئيس الأسبق محمد خاتمي لتقديم صورة "الحوار بين الحضارات" بينما كان "الحرس الثوري" يوسع نفوذه الإقليمي بصمت، ثم جاء محمود أحمدي نجاد ليعكس المشهد تماما بخطاب استفزازي خدم النظام في مرحلة مختلفة احتاج فيها إلى رفع سقف التحدي، وحين احتاجت إيران إلى تخفيف العزلة الدولية والوصول إلى الاتفاق النووي عام 2015، تصدر المشهد حسن روحاني ومحمد جواد ظريف بخطاب دبلوماسي ناعم أوحى للغرب بأن طهران تتغير وتنفتح على العالم، وبمجرد أن حقق النظام غايته، عاد لتبني خطاب التصعيد ودفع بشخصيات متشددة إلى الواجهة، لتعود عجلة التخصيب والتهديدات إلى الدوران، وهذا التبادل الدقيق للأدوار لم يكن يوما صراعا حقيقيا على السلطة، بقدر ما كان توزيعا محسوبا للمهام داخل البيت الواحد، حيث يؤدي كل طرف دوره المرسوم ثم يتراجع حين ينتهي الغرض منه.

هذا التباين الظاهري يمنح المفاوض الإيراني مساحة واسعة للمناورة، ويسمح لطهران بكسب الوقت وابتزاز الأطراف المقابلة تحت ذريعة وجود "صراع داخلي" يعيق تقديم التنازلات

اليوم، وبعد الحرب الأخيرة التي عصفت بإيران والمنطقة وغيرت كثيرا من المعادلات، يبدو أننا أمام نسخة محدثة من هذه السياسة، وهي ما يمكن تسميته "سياسة تبادل الأدوار الجديدة"، والمرحلة الحالية لم تعد تحتمل التقسيم التقليدي بين إصلاحي ومحافظ، بل أفرزت تيارين مختلفين يتناسبان مع معطيات ما بعد الحرب، التيار الأول هو "الحرس القديم" المحسوب على النظام بشكله التقليدي، والذي يتبنى نهج خامنئي و"الحرس الثوري" ويرفع لواء المواجهة ويرفض "التنازلات" مهما كانت الظروف والضغوط، أما التيار الثاني فيمكن وصفه مجازا بــ"التيار الواقعي" الذي يعمل النظام على تقديمه للعالم على أنه عقلاني وأقل تشددا، ويسعى لرسم صورة نظام استوعب الدرس وتغير بفعل الحرب وبات مستعدا للتعامل مع المجتمع الدولي بمنطق مختلف، ومن يتأمل هذا الطرح يجده متوافقا تماما مع النظرة الأميركية التي تقول إن النظام الإيراني لم يسقط لكنه "تغير" وأصبح أكثر قابلية للتعامل معه والتفاوض.
هذه النسخة الجديدة من تبادل الأدوار قد تمثل الأسلوب الذي ستعتمده إيران خلال المرحلة القادمة، دون أن تجري أي تغييرات فعلية في توجهاتها، وما يجري الآن في مفاوضات إسلام آباد يمثل تجسيدا حيا لهذه السياسة، حيث يرسل التيار الواقعي إشارات بقبول التفاوض والبحث عن حلول دبلوماسية، بينما يخرج "الحرس الثوري" مهددا بتوجيه "ضربات ساحقة تفوق خيال العدو"، وتتصاعد التقارير عن خلافات حادة بين شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، وأحمد وحيدي. وهذا التباين الظاهري يمنح المفاوض الإيراني مساحة واسعة للمناورة، ويسمح لطهران بكسب الوقت وابتزاز الأطراف المقابلة تحت ذريعة وجود "صراع داخلي" يعيق تقديم التنازلات، وهو ذات الأسلوب الذي استخدمه المفاوضون الإيرانيون في محادثات الاتفاق النووي حين كانوا يعتذرون عن التأخير بذريعة الحاجة إلى "إقناع المتشددين في الداخل".
في النهاية، يبقى التساؤل الأهم معلقا بين احتمالين، هل ما نراه اليوم من تباينات وخلافات حول المفاوضات هو صراع نفوذ حقيقي بين أجنحة النظام بعد الزلزال الذي ضربه، أم إنه مجرد فصل جديد من مسرحية تبادل الأدوار التي أتقنها النظام طوال تاريخه؟ الإجابة قد لا تكون قاطعة الآن، لكن التجارب السابقة تعلمنا أن هذا النظام يبرع في إعادة إنتاج نفسه تحت تسميات مختلفة، وأن هذه التيارات، سواء كانت قديمة أو جديدة، تخدم في النهاية هدفا واحدا، والمراقب للمشهد الإيراني يعلم أن هذا النظام نجح في البقاء أربعة عقود ونصف العقد بفضل هذه المرونة، والأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الخلافات ستفضي إلى تحول حقيقي في بنية النظام، أم إنها مجرد تكتيك جديد في استراتيجية قديمة قدم النظام الإيراني ذاته.

font change