إيران... الضغط الاقتصادي بديل الحرب الوحيد

يحتاج الاقتصاد الإيراني على نحو ملح إلى الإيرادات المتأتية من صادرات النفط والغاز، التي تمثل نحو 80 في المئة من عائدات البلاد التصديرية

إيران... الضغط الاقتصادي بديل الحرب الوحيد

في المواجهة الآخذة في التفاقم بين إيران والولايات المتحدة بشأن من يسيطر على مضيق هرمز، يتوقف حل الأزمة على سؤال بسيط: من يرمش أولاً في صدام يهدد بإلحاق ضرر اقتصادي هائل بجميع أطراف النزاع؟

بالنسبة إلى إيران، قد يفضي الحصار الأميركي في الخليج إلى تداعيات كارثية على آفاقها الاقتصادية، في وقت يعاني فيه البلد أصلا اقتصادا متداعيا وتضخما منفلتا. وفي المقابل، يرجح أن يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطا متزايدة لحل الصراع كلما ازدادت معاناة بقية العالم من آثار ارتفاع تكاليف الطاقة، وهي نتيجة مباشرة لاضطراب حركة الشحن البحري الناجم عن إغلاق المضيق.

كما قد يترك الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة داخل الولايات المتحدة، التي شهدت زيادات كبيرة في أسعار البنزين والديزل، أثرا كبيرا في نتائج انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، مع تزايد قلق الجمهوريين من أن يعبر الناخبون عن استيائهم من طريقة تعامل ترمب مع حرب إيران عبر معاقبته في صناديق الاقتراع.

لذلك، يظل الكثير على المحك لدى الطرفين في هذا النزاع الذي يبدو عصيا على الحل، إذ لا تبدو مؤشرات على أن ترمب أو الإيرانيين يميلون إلى التراجع عن مواقفهم المتصلبة. بل على العكس، إذا كانت الأحداث والتصريحات الأخيرة مؤشرا، فإن الطرفين يبدوان مصممين على مواصلة نهجهما التصادمي مهما طال الوقت، وهو ما يفسر بلا شك إلغاء الجولة الثانية من محادثات السلام التي كان مقررا عقدها في باكستان خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع. وألغى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رحلته إلى إسلام آباد بعدما انسحبت طهران من المحادثات المقترحة، فيما أبرز انهيار هذه المحادثات الانقسامات العميقة بين الطرفين بشأن العقوبات ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

ومع أن ترمب وافق على تمديد وقف إطلاق النار الذي وضع حدا لأحدث جولة من الأعمال القتالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أشار الزعيم الأميركي إلى أنه لا يستعجل إبرام صفقة، بصرف النظر عن الصعوبات الاقتصادية التي تفرضها المواجهة المستمرة في مضيق هرمز على الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم.

دفعت الانقسامات داخل المستويات العليا في النظام الإيراني البيت الأبيض إلى اتباع نهج حذر حيال أي محادثات مقبلة مع طهران لإنهاء الصراع

وخلال حديثه إلى قناة "فوكس نيوز"، أكد ترمب أنه لا يوجد "أي جدول زمني" لإنهاء الحرب في إيران، وأن المواجهة حول مضيق هرمز قد تستمر إلى ما لا نهاية. وقال إن ما يتردد عن رغبته في إنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني "غير صحيح"، وأصر على أنه لا توجد "أي ضغوط زمنية" بشأن وقف إطلاق النار مع إيران. وأضاف الرئيس: "يقول الناس إنني أريد إنهاء الأمر بسبب انتخابات التجديد النصفي، هذا غير صحيح". 
ويعود سبب رئيس في تصلب ترمب بشأن رفع الحصار إلى رد إيران المربك على الجولة الأولى من المحادثات في باكستان، التي انتهت بإعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. ويمر عبر هذا الممر المائي الحيوي نحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية، ورأى عراقجي أن هذه الخطوة تمثل أولى الخطوات المهمة نحو التوصل إلى تسوية أوسع لإنهاء الحرب. 
غير أن محاولات عراقجي لتهدئة التوترات في هذا الممر المائي تقوضت كليا بفعل المتشددين في صفوف "الحرس الثوري" الإيراني، إذ شجبوا فورا عرض وزير الخارجية ووصفوه بأنه "سيّئ وناقص". ولإظهار تصميمهم على مواصلة مقاومة الحصار الأميركي، نفذ "الحرس الثوري" لاحقا عددا من الهجمات على سفن الشحن التجارية في المضيق، ما بدد أي أمل في تسوية الأزمة الراهنة. وفي المقابل، ردت الولايات المتحدة عبر صعود قوات أميركية على متن سفن إيرانية وتفتيشها. 
ودفعت الانقسامات داخل المستويات العليا في النظام الإيراني البيت الأبيض إلى اتباع نهج حذر حيال أي محادثات مقبلة مع طهران لإنهاء الصراع. وقال مسؤول أميركي رفيع لموقع "أكسيوس": "اعتقدنا أنهم يتفاوضون مع الأشخاص المناسبين، وأنهم توصلوا إلى صيغة تجمع ما اتفقوا عليه وما يمكن الإعلان عنه. لكن ما حدث هو أن الفريق الإيراني عاد، وقال "الحرس الثوري" ومن هم على شاكلته: لا، لا. أنتم لا تتحدثون باسمنا". 
وأفضى هذا الارتباك إلى إصرار ترمب على أنه لن يستأنف المحادثات مع طهران إلا بعد أن تتقدم بـ "مقترح موحد"، أي بمقترحٍ يفترض أن يوافق عليه المعتدلون والمتشددون داخل النظام الإيراني. وفي الأثناء، تعتزم إدارة ترمب الإبقاء على حصارها للموانئ الإيرانية في الخليج، وهو نهج سيحرم طهران من عائدات نفطية تحتاج إليها بشدة. 

ومع انهيار الريال الإيراني، الذي يجري تداوله حاليا عند 1.3 مليون ريال مقابل الدولار، ومع قول تقارير إن التضخم يتجاوز 100 في المئة، يحتاج الاقتصاد الإيراني على نحو ملح إلى الإيرادات المتأتية من صادرات النفط والغاز، التي تمثل نحو 80 في المئة من عائدات البلاد التصديرية. وقدرت دراسة نشرها أخيرا مركز الأبحاث الأميركي "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية" أن الحصار قد يلحق ضررا اقتصاديا يوميا مشتركا بنحو 435 مليون دولار. 
ويستبعد أن يستطيع النظام الإيراني تحمل ضخامة هذه الخسائر لوقت طويل، وهو ما قد يضع المتشددين تحت ضغط شديد يدفعهم إلى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.. وهذا تحديدا ما يتوقعه البيت الأبيض، إذ أعلنت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفات هذا الأسبوع: "نحن نخنق اقتصادهم بالكامل عبر هذا الحصار.. وفي النهاية، هو (أي البيت الأبيض) من سيحدد الجدول الزمني. وهو راض عن الحصار البحري، ويدرك أن إيران في موقف ضعيف جدا، والأوراق باتت بيد الرئيس ترمب الآن". 
وعلى الرغم من الضغط الاقتصادي الهائل الذي تمارسه واشنطن، تظل إيران متصلبة، وتؤكد أن أي محادثات سلام جديدة لن تعقد ما دام الحصار البحري الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية قائما. 
فقد قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف: "لم تحققوا أهدافكم عبر العدوان العسكري، ولن تحققوها عبر التنمر أيضا. السبيل الوحيد يمر عبر الاعتراف بحقوق الشعب الإيراني". 
ومع أن الطرفين لا يبدوان مستعدين لتقديم تنازلات في مواجهتهما حول مضيق هرمز، يبدو أن الأزمة لن تجد طريقها إلى الحل إلا حين يصل أحد الطرفين، أو كلاهما، إلى مرحلة يصبح فيها الضغط الاقتصادي شديدا إلى حد لا يترك بديلا سوى إبرام اتفاق.

font change