اندلعت مشاهد عنف في شوارع بلفاست، عقب هجوم طعن وحشي، نسب إلى طالب لجوء سوداني، ما أبرز حجم التحدي الذي يواجهه رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر في ملف الهجرة. وفي وقت تتعرض فيه حكومة "حزب العمال" لضغط كبير لكبح الهجرة غير النظامية، أعادت هذه الموجة المفاجئة من العنف، التذكير بمدى احتدام هذا الملف، في نظر كثير من البريطانيين. ومع اقتراب اختبار حساس أمام "حزب العمال" في انتخابات تكميلية بدائرة ميكرفيلد الشمالية الأسبوع المقبل، ستخضع مساعي الحكومة لإثبات امتلاكها سياسة متماسكة وفاعلة، لضبط الهجرة لتدقيق شديد، ولا سيما فيما يتعلق بقدرتها على التحكم بحدود المملكة المتحدة.
وانفجر العنف في بلفاست بعد وقت قصير من توقيف الشرطة رجلا سودانيا للاشتباه بمحاولته القتل، عقب هجوم طعن مسعور في شمال بلفاست، تسبب بإصابات خطيرة للضحية. وأعلنت شرطة أيرلندا الشمالية لاحقا هوية المشتبه به، وهو هادي ألوديد، البالغ 30 عاما، قبل أن توجه إليه تهم محاولة القتل، وحيازة أداة ذات نصل أو طرف حاد في مكان عام، وتهديد بقتل عامل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. ورغم أن الملابسات التي قادت إلى الهجوم ما زالت غير معروفة، أثار كون المشتبه به سوداني الجنسية، وشق طريقه إلى المملكة المتحدة، قبل حصوله على اللجوء، جدلا واسعا، إذ رأى سياسيون معارضون أن الحادثة تكشف عجز حكومة ستارمر عن السيطرة على حدود البلاد.
وقال قائد شرطة أيرلندا الشمالية، جون بوتشر، إن الاعتقاد يرجح أن ألوديد سافر من السودان إلى باريس، ثم إلى دبلن، قبل أن يستقل حافلة إلى بلفاست في فبراير/شباط 2023. وهناك تقدم بطلب لجوء، ثم منحته السلطات حق البقاء في المملكة المتحدة في سبتمبر/أيلول من ذلك العام. وجاءت رحلته إلى المملكة المتحدة عبر ما صار يعرف لدى مهربي البشر باسم "المسار الأيرلندي"، وهو أسلوب يقوم على سفر المهاجرين جوا إلى دبلن من أوروبا، أحيانا بأوراق مزورة، ثم انتقالهم برا إلى أيرلندا الشمالية، من دون تدقيق يذكر قبل تقديم طلبات اللجوء. وبموجب ترتيبات جرى التفاوض عليها بعد "بريكست"، تتقاسم المملكة المتحدة وأيرلندا "منطقة السفر المشتركة" التي تتيح حرية الحركة عبر الحدود من دون فحوص هجرة روتينية.
وأكدت وزارة الداخلية البريطانية لاحقا أن ألوديد حصل على صفة لاجئ بعد وصوله إلى المملكة المتحدة، وأن السلطات منحته حق الإقامة حتى عام 2028. ويرجح أن تثير سهولة وصوله انتقادات لدول أوروبية، ولا سيما فرنسا، بشأن ضبط حدودها. ومؤخرا، وقعت فرنسا اتفاق تعاون جديدا مع المملكة المتحدة، لمعالجة قضايا الهجرة، بعد أن وافقت وزيرة الداخلية شبانة محمود على صفقة بقيمة 662 مليون جنيه إسترليني مع فرنسا لمكافحة الهجرة غير النظامية.
ووصف ستارمر الهجوم بأنه "مقزز"، وأضاف: "لا أتسامح على الإطلاق مع مشاهد العنف البغيضة كهذه في شوارعنا. أفكاري أولا وقبل كل شيء مع الضحية، وأشكر فرق الإسعاف والطوارئ، بمن فيهم أفراد من العامة تدخلوا". وأدت قسوة الهجوم، مع قول شهود عيان إن ألوديد حاول قطع رأس الضحية، إضافة إلى الجدل السياسي المصاحب، إلى أن تشهد بلفاست بعضا من أسوأ أعمال العنف في السنوات الأخيرة.
أدى الانفجار المفاجئ للعنف إلى شلل في بلفاست، فألغيت القطارات والحافلات، وأغلقت بعض المدارس، فيما خلا وسط المدينة
وفي أحدث الاشتباكات، استخدمت الشرطة خراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق مثيري شغب مقنعين حاولوا مهاجمة فندق يؤوي مهاجرين على أطراف بلفاست. وجاء ذلك بعد تقارير أفادت بأن محرضين أعدوا "قائمة أهداف" لمنازل مهاجرين كي يهاجمها محتجون. وسبق ذلك ليلة أولى من الاضطرابات اندلعت بعد الهجوم، إذ بحث محتجون عن منازل مهاجرين، وأضرموا النار في ممتلكات، وأشعلوا سيارات شرطة. وأدى الانفجار المفاجئ للعنف إلى شلل في بلفاست، فألغيت القطارات والحافلات، وأغلقت بعض المدارس، فيما خلا وسط المدينة.
وقال مسؤولون في الشرطة إن عدة عائلات "مصدومة جدا" تواصلت معهم بعدما وردت منازلها ضمن قائمة الأهداف المزعومة، وحذروا من أن من يشارك الوثيقة "قد يرتكب مخالفة جنائية" وأبدت السلطات كذلك قلقا من وصول محرضين من خارج الإقليم للمشاركة في الاضطرابات، ما دفع قائد الشرطة إلى حث الجمهور على مقاومة الدعوات للاحتجاج التي يطلقها أشخاص "لا يعرفون شيئا عن أيرلندا الشمالية" وقال بوتشر للصحافيين: "أدرك أن محاولة القتل التي وقعت الليلة الماضية ستترك الناس غاضبين، بمشاعر تتراوح بين الخوف والغضب، لكن أرجوكم، دعوا شرطة أيرلندا الشمالية تؤدي عملها، بلا قيود ولا تشتيت بسبب مخاوف أوسع".
تضع مشاهد العنف في بلفاست حكومة ستارمر أمام تحد كبير، إذ تتعرض لانتقادات متواصلة بشأن تعاملها مع ملف الهجرة
وتضع مشاهد العنف في بلفاست حكومة ستارمر أمام تحد كبير، إذ تتعرض لانتقادات متواصلة بشأن تعاملها مع ملف الهجرة. وازداد الضغط على رئيس الوزراء لاتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، ولا سيما بعد تصريحات صادرة عن "المراقب المستقل لتشريعات الإرهاب" في المملكة المتحدة، الذي حذر من ضرورة التعامل مع الهجرة بوصفها تهديدا للأمن القومي بعد هجمات عنيفة نفذها مهاجرون في شوارع بريطانيا.
وقال جوناثان هال، المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب، إن العنف الذي يرتكبه مهاجرون وصلوا حديثا "صار أكثر ارتباطا" بالأمن القومي، بعد توجيه تهمة لطالب لجوء سوداني على خلفية هجوم الطعن في بلفاست. وأضاف أن هجوم أيرلندا الشمالية كان "مزعزعا للاستقرار على نحو استثنائي"، وأن له "تداعيات هائلة" مع انتشار العنف في شوارع المدينة، واستهداف حشود لمنازل أشخاص "ذوي بشرة سوداء وبنية اللون".
وجاء هجوم بلفاست في ظل توتر مرتفع أعقب مقتل هنري نوفاك في ساوثهامبتون، إذ ربط بعض الناشطين بين الحادثتين لانتقاد الهجرة وسياسات الاندماج. وقتل نوفاك، وهو طالب يبلغ 18 عاما، على يد فيكروم ديغوا، البالغ 23 عاما، في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي 2025، باستخدام سكين قال إنه يحملها بحكم ديانته السيخية. ودفع الهجوم إيلون ماسك إلى تدخل مثير للجدل، إذ كتب على حسابه في منصة "إكس": "فقط بالاحتجاج مرارا وبصوت عال يمكن أن يحدث أي تغيير".