رغم كل الجهود الحثيثة التي بذلت للتفاوض على تسوية سلام دائمة في حرب إيران، لا تبشر موجة العنف الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة بخير، لصمود وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، الذي دخل حيز التنفيذ الشهر الماضي.
كان الشعور العميق بالإنهاك من الحرب داخل المعسكرين أحد العوامل الرئيسية التي دفعت إدارة ترمب والنظام الإيراني إلى الموافقة على وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، إذ أرادت واشنطن وطهران، كل منهما لأسبابه الخاصة، وضع حد للصراع.
بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يبدو أن قراره مهاجمة طهران في نهاية فبراير/شباط استند إلى تصور مفاده أن الحرب ستكون قصيرة نسبيا، وأنها ستفضي في نهاية المطاف إلى انهيار الجمهورية الإسلامية. غير أن استمرار الصراع صار عبئا كبيرا عليه على أكثر من صعيد.
قد يترك الأثر الاقتصادي للصراع، الذي شهد ارتفاعا حادا في أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، تداعيات سلبية على الناخبين الأميركيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. وفي الوقت نفسه، دفع إخفاق ترمب في إنهاء الصراع سريعا كثيرين، ولا سيما داخل الحزب الجمهوري، إلى التشكيك في قدرته على التعامل بفاعلية مع التهديدات الأمنية العالمية.
أما بالنسبة إلى إيران، فلا يفعل استمرار الصراع سوى زيادة الضغط على الملالي الذين يحاولون الآن، بعد الدمار العسكري الذي ألحقته الولايات المتحدة وإسرائيل بالبلاد، يسعون جاهدين إلى إعادة بناء اقتصاد البلاد المنهك.
وتتزايد أيضا المؤشرات على أن التداعيات السياسية الداخلية للحرب عمقت الانقسامات بين السياسيين الأكثر براغماتية في طهران، ممن يريدون خفض التوتر مع الغرب، والمؤيدين المتشددين للحرس الثوري الإيراني، الذين يعارضون أيديولوجيا إبرام أي اتفاق مع الولايات المتحدة وبقية التحالف الغربي.
لذلك، ورغم وجود أسباب ملحة دفعت الجانبين إلى استنتاج أن الموافقة على وقف إطلاق النار، وكذلك توقيع مذكرة تفاهم مؤلفة من 14 بندا، تهدف إلى وضع إطار لاتفاق سلام دائم، يصبان في مصلحتهما، كان من المحتم أن يواجه هذا الترتيب تحديات، ولا سيما من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، الذي يعتقد أن مواصلة الأعمال العدائية في الخليج لا تؤدي إلا إلى زيادة الضغط السياسي على ترمب.
ومن ثم، تعكس موجة التصعيد العسكري الأخيرة، مع إطلاق إيران موجة جديدة من الضربات الصاروخية وبالطائرات المسيرة ضد دول الخليج بعد تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد أهداف تابعة للحرس الثوري، هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار الأصلي الذي جرى التفاوض عليه بين واشنطن وطهران.
والسؤال الكبير الآن هو ما إذا كان ازدياد النشاط العسكري يعني، كما بدا أن ترمب لمّح في قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة هذا الأسبوع، أن اتفاق وقف إطلاق النار "انتهى"، أم أن الأمر لا يتعدى جولة أخرى من تبادل الضربات بالمثل منذ دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الشهر الماضي.
ومن المؤكد، قياسا إلى الخطاب الحاد الصادر عن طرفي الصراع، أنه يصعب تصور إجراء أي محادثات جدّية بشأن اتفاق سلام دائم في الأسابيع المقبلة. ويأتي ذلك رغم استمرار المسؤولين الأميركيين في التأكيد على أن المحادثات غير المباشرة الجارية بين واشنطن وطهران، ستتواصل على الأرجح بشأن قضايا رئيسية، مثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
حتى لو شن ترمب هجوما عسكريا جديدا واسع النطاق على إيران، فليست هناك ضمانات بأنه سيحقق النتيجة المرجوة المتمثلة في إجبار آيات الله على قبول اتفاق السلام الذي يطرحه
كرر ترمب مرارا أنه يعد هاتين المسألتين خطين أحمرين لإبرام أي اتفاق سلام. ويصر على أنه لن يوقع أي اتفاق يسمح لطهران بمواصلة العمل في برنامجها النووي، الذي يعتقد معظم خبراء الاستخبارات الغربيين أنه يهدف إلى تطوير أسلحة نووية. وبالمثل، يرفض ترمب ادعاء طهران أنها ستسيطر مستقبلا على مضيق هرمز، وستفرض رسوما على السفن التجارية المارة عبر واحد من أكثر الممرات المائية ازدحاما في العالم.
أما ما إذا كان يستطيع تحقيق هذه الأهداف، في ظل سعي المتشددين الإيرانيين إلى إظهار نفوذهم المتزايد على محادثات السلام، فتلك مسألة موضع شك، خصوصا بعدما نجح المتشددون في استغلال الفعاليات الكثيرة في أنحاء البلاد التي صاحبت جنازة المرشد الأعلى السابق للبلاد، آية الله علي خامنئي، لإظهار قوتهم.
وإلى جانب تنظيم حشود ضخمة من المشيعين، إذ يزعم النظام أن ما يصل إلى 20 مليون إيراني شاركوا في موكب جنازة خامنئي خلال الأسبوع الماضي، اتسمت المراسم أيضا بمظاهر واسعة مناهضة لأميركا ولترمب، إذ دعا المشيعون إلى اغتيال ترمب، ونددوا بالمفاوضين الإيرانيين المشاركين في محادثات السلام بوصفهم خونة.
يبقى أن نرى إلى متى سيستمر هذا الشعور المناهض لترمب بعد أن يوارى خامنئي الثرى أخيرا. لكن موجة المشاعر المناهضة لترمب ولأميركا التي طبعت مراسم الجنازة تركت بلا شك أثرا في ترمب، الذي وصف قادة إيران بأنهم "حثالة"، مؤكدا في الوقت نفسه أنه لا يبدي اهتماما كبيرا بمواصلة الحوار مع طهران.
لكن مع تهديد إيران بإحداث مزيد من الاضطراب في مضيق هرمز، بما يزيد إرباك إمدادات الطاقة العالمية، قد يجد الرئيس الأميركي أنه لا يملك بديلا عن السعي إلى شكل ما من الحوار الدبلوماسي مع طهران.
وحتى لو شن ترمب هجوما عسكريا جديدا واسع النطاق على إيران، فليست هناك ضمانات بأنه سيحقق النتيجة المرجوة المتمثلة في إجبار آيات الله على قبول اتفاق السلام الذي يطرحه.
ورغم أن التقديرات تشير إلى أن الأميركيين، بالتعاون مع حلفائهم الإسرائيليين، دمروا نحو 80 في المائة من القدرة العسكرية الإيرانية، فإن نجاح الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في مواصلة شن هجمات ضد أهداف عسكرية أميركية ودول خليجية مجاورة يشير إلى أنه لا يمكن التقليل من قدرة النظام على الصمود.