الستون يوما الفاصلة

الستون يوما الفاصلة

قد يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الاتفاق الذي أبرمه مع إيران لإنهاء الحرب يمثل انتصارا له، غير أن كثيرا من منتقدي طريقة إدارته للحرب لم يروا الاتفاق بهذه الصورة.

فبينما يصر ترمب على أن الاتفاق سيحقق هدفيه المزدوجين، وهما إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء تطلعات طهران النووية، بدأت أسئلة تطرح بالفعل حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بندا، التي وقعها الرئيس الأميركي وسط أبهة قصر فرساي، ستنجح فعلا في تحقيق هذين الهدفين بما يرضي الجميع.

على الصعيد النووي، لا تزال الأسئلة قائمة بشأن مصير ما يقدر بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب الذي لا يزال في حوزة إيران، في حين بدأت طهران التشكيك في زعم ترمب أن حرية الملاحة ستعود قريبا إلى مضيق هرمز المغلق.

ومن مواطن الضعف الأخرى التي تؤخذ على المذكرة أنها لا تحسم كذلك نقاط الخلاف الأساسية في حرب إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان. وقد دفعت المخاوف بشأن مدى فاعلية الاتفاق الذي توصل إليه ترمب مع إيران على أرض الواقع كثيرا من أشد منتقديه إلى التساؤل عما إذا كان هذا الاتفاق أفضل بالفعل من الشروط التي كانت مطروحة قبل أن تطلق الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما العسكري المشترك على إيران في 28 فبراير/شباط.

ورغم هذه المخاوف الجدية بشأن الاتفاق النهائي الذي ستفضي إليه المرحلة التالية من المفاوضات، وهي مفاوضات يفترض أن تجري بالتزامن مع دخول وقف جديد لإطلاق النار لمدة 60 يوما حيز التنفيذ، أصر ترمب على أن مذكرة التفاهم تمثل اختراقا مهماً في الجهود الرامية إلى إنهاء المواجهة الطويلة بين الولايات المتحدة وإيران، التي تعود إلى الثورة الإيرانية عام 1979.

وخلال إعلانه اختتام المفاوضات بشأن مذكرة التفاهم في قمة أعضاء مجموعة السبع بمنتجع إيفيان الفرنسي، أصر ترمب على أن حلفاءه "يحبون" الاتفاق الأولي، وقال إنه سيحقق كل الأهداف التي كانت الولايات المتحدة تأمل إنجازها في بداية الحرب. وقدمه بوصفه "فرصة تاريخية لمنع إيران من امتلاك أي سلاح نووي"، إلى جانب إنهاء الصراع وضمان إعادة فتح المضيق.

ورغم التقارير التي أفادت بأن شخصيات رئيسة داخل إدارة ترمب، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو وجون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، أبدت مخاوف من بنود الاتفاق، ظل ترمب متفائلا خلال مؤتمر صحافي لاحق.

وهدد ترمب كذلك باستئناف العمل العسكري ضد إيران إذا لم يرض عن نتيجة المفاوضات المقبلة، قائلا: "إنها مذكرة تفاهم. إذا لم ينجز الأمر خلال 60 يوما، فلا بأس، سنعود إلى القصف". وتوعد بأنه إذا أساءت إيران التصرف فسيعود إلى "إسقاط القنابل مباشرة فوق رؤوسهم"، وهو تهديد لا يبعث على قدر كبير من الثقة بأن المفاوضات المقبلة ستمضي بسلاسة.

ومع ذلك، دخل وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما "حيز التنفيذ الفوري" رسميا بعد أن وقع كل من ترمب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان مذكرة التفاهم.

وعند إتمام الاتفاق خلال عشاء أعقب قمة مجموعة السبع، تخلله الكافيار وفطيرة الشوكولاتة الساخنة، أعلن ترمب أن التوقيع سيحقق فوائد اقتصادية فورية للمجتمع الدولي بعد الاضطراب الاقتصادي الذي تسبب به إغلاق مضيق هرمز. وقال الرئيس: "النفط ينخفض، والأسهم ترتفع".

وبالفعل، اتضح من تصريحات الرئيس اللاحقة أن المخاوف من التسبب في ركود عالمي نتيجة مواجهته المستمرة مع طهران كانت أحد دوافعه الأساسية لإبرام الاتفاق. وقال ترمب إنه أبرم الاتفاق في نهاية المطاف لأنه لم يكن يريد أن يكون مسؤولا عن "كارثة اقتصادية".

لكن التوترات بين الجانبين ظهرت بوضوح عندما لم تجر مراسم توقيع كان مقررا أن تقام في سويسرا بمشاركة مسؤولين أميركيين وإيرانيين. وبدلا من ذلك، وقع ترمب الاتفاق في فرنسا، بينما وقعه بيزشكيان في طهران


لكن التوترات بين الجانبين ظهرت بوضوح عندما لم تجر مراسم توقيع كان مقررا أن تقام في سويسرا بمشاركة مسؤولين أميركيين وإيرانيين. وبدلا من ذلك، وقع ترمب الاتفاق في فرنسا، بينما وقعه بيزشكيان في طهران.

وظهرت كذلك مؤشرات إلى أن اتفاق ترمب مع إيران واجه بالفعل مقاومة من بعض كبار مساعديه، بعدما أفاد موقع "أكسيوس" الإخباري بأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف أبلغ ترمب ومسؤولين كبارا آخرين بأن الأدلة التي جمعتها وكالات الاستخبارات الأميركية أثارت شكوكا جدية بشأن استعداد إيران لتقديم التنازلات النووية التي تسعى إليها الولايات المتحدة في أي اتفاق نهائي.

وفي نقاشات داخلية أخرى، أفادت تقارير بأن روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث أبديا مخاوف وطرحا تساؤلات بشأن مذكرة التفاهم، بينما دافع عنها نائب الرئيس فانس والمبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

كما واجه ترمب انتقادات من جمهوريين في مجلس الشيوخ بسبب الاتفاق الذي توصل إليه مع إيران، إذ اتهم أحد أعضاء المجلس الإدارة بارتكاب "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود". وقال السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي في بيان نشره على منصة "إكس": "ريغان يتقلب في قبره". وكتب السيناتور عن لويزيانا، الذي تنتهي ولايته: "لم تكبح طموحات إيران النووية، وقد تعلمت طهران أن التهديد بمضيق هرمز يجدي، وستستخدم ذلك بلا شك في المستقبل". وأضاف: "والآن، بات في وسع إيران أن تبني بنية تحتية جديدة تماما بموجب هذا الاتفاق".

وأثار الاتفاق انتقادات كذلك في إسرائيل، حيث نددت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" المؤيدة لنتنياهو بالاتفاق ووصفته بأنه "استسلام كارثي للمعتدين الإيرانيين" ترك الدولة اليهودية "عرضة للخطر ومقيدة".

بتوقيعه الاتفاق مع طهران، يأمل ترمب بوضوح أن يكون الصراع مع إيران في طريقه الآن إلى نهايته. لكن بالنظر إلى الانتقادات الواسعة التي بدأت الخطة تثيرها بالفعل، فمن الواضح أنه لا توجد ضمانات بأن هذا الصراع الطويل قد انتهى أخيرا.

font change