بريكست بعد عشر سنوات... قرار لم يُحسم بعد

انقسام لا يزال يتشكل

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
مؤيدون للاتحاد الأوروبي يرفعون الأعلام قرب البرلمان البريطاني تزامنا مع جلسة أسئلة رئيس الوزراء في لندن، 20 مايو 2026

بريكست بعد عشر سنوات... قرار لم يُحسم بعد

قبل عشر سنوات، صوّتت المملكة المتحدة بأغلبية ضئيلة لمغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء وطني شديد الاستقطاب، تجلت أهميته في العدد الهائل من البريطانيين الذين اقترعوا، والذي فاق أي رقم سُجل في البلاد قبل ذلك أو بعده.

وشكّلت النتيجة كارثة سياسية شخصية لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك، ديفيد كاميرون، الذي اتخذ القرار المصيري بالدعوة إلى استفتاء على استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، فلم تترك له خيارا يذكر سوى الاستقالة.

ولا تزال الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك تتردد أصداؤها، بعدما بلغت ذروتها في هزيمة المحافظين عام 2024، عقب سلسلة من رئاسات الوزراء المضطربة التي تعاقب عليها: تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك. ويطرح ذلك سؤالا بديهيا: ما الذي أقنع كاميرون بالدعوة إلى الاستفتاء أصلا؟

لا توجد إجابات سهلة في قضية بهذا التعقيد. غير أن قرار كاميرون إجراءَ استفتاء على المسألة الشائكة المتعلقة بعضوية الاتحاد الأوروبي كان مدفوعا برغبته في إبقاء حزب المحافظين في السلطة، بقدر ما كان محاولة لمعالجة علاقة بريطانيا المضطربة بجيرانها الأوروبيين.

واعترف كاميرون، في مذكراته المعنونة "For the Record"، بأن إجراء الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه لم يكن مسألة حتمية تاريخية. ومع ذلك، ولأسباب سياسية داخلية، تعهّد كاميرون بإجراء استفتاء عام 2016، شرط أن يفوز المحافظون بأغلبية تمكنهم من الحكم في الانتخابات العامة لعام 2015. وكان يظن أن ذلك يوفر أفضل فرصة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن أوروبا. أو كما قال كاميرون نفسه في عبارة لا تُنسى، أراد من حزبه أن "يكف عن الانشغال الدائم بأوروبا".

كان كاميرون يدرك تماما أنه يقدم على مخاطرة، خصوصا أن وزير الخزانة جورج أوزبورن، أقرب أصدقائه وحلفائه السياسيين، حذّره مرارا من مخاطرها. لكنه ظل واثقا من قدرته على كسب التصويت عبر التفاوض على اتفاق أفضل للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في ملف الهجرة الشائك. كما اعتقد أنه قادر على استمالة حلفاء بارزين داخل حزب المحافظين، في مقدمهم بوريس جونسون ومايكل غوف، إلى صف حملة البقاء.

ولكن كاميرون أخفق في الأمرين معا، وكان لهذا الإخفاق أثر ثقيل في النتيجة النهائية للاستفتاء، إذ صوّتت غالبية البريطانيين لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وأنهى ذلك القرار مسيرة كاميرون السياسية، وعمّق الانقسامات داخل المجتمع البريطاني حول الموقف من أوروبا، وهي انقسامات لا تزال قائمة حتى اليوم.

ولم يكن مستغربا أن يترك تصويت بريكست هذا الأثر العميق في نظرة المملكة المتحدة إلى العالم، فالعلاقة بين لندن وأوروبا لم تكن يوما بسيطة أو مستقرة.

ولكن كاميرون أخفق في الأمرين معا، وكان لهذا الإخفاق أثر ثقيل في النتيجة النهائية للاستفتاء، إذ صوّتت غالبية البريطانيين لمغادرة الاتحاد الأوروبي

فعلى مدى قرون، جعلت الإمبراطورية البريطانية وقوتها البحرية بوصلةَ البلاد الجيوسياسية متجهة إلى الخارج إلى حد بعيد، وهو ما أبقاها في البداية على مسافة من المشروع الأوروبي القاري الذي بدأ يتبلور بعد الحرب العالمية الثانية.

واحتاجت البلاد إلى سنوات حتى تنضم إلى ما كان يعرف آنذاك بالجماعة الأوروبية. وحتى حين طُرحت المسألة على التصويت آخر مرة عام 1975، أيدها كثيرون على مضض، أو بدوافع اقتصادية ضيقة.

اختارت المملكة المتحدة في البداية عدم الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وهي تكتل تجاري أوروبي أُنشئ عام 1957 بموجب معاهدة روما، وضم بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا. ثم تقدمت بريطانيا بطلب الانضمام إلى الجماعة عام 1961، غير أن الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول استخدم حق النقض مرتين لمنع دخولها، إذ كان يرى في المملكة المتحدة "حصان طروادة" للمصالح الأميركية داخل أوروبا.

وبعد خروج ديغول من السلطة، نجحت المملكة المتحدة في الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية في الأول من يناير/كانون الثاني 1973، في عهد رئيس الوزراء المحافظ إدوارد هيث. وكان هيث، الذي عاين بنفسه الدمار الذي ألحقته الحرب العالمية الثانية بأوروبا، يرى في الجماعة فرصة لـ "وضع حد للانقسامات التي عصفت بأوروبا قرونا".

رويترز
وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون يلقي التحية في حفل للذكرى الثمانين ليوم الإنزال في بورتسموث في بريطانيا، 5 يوينو 2024.

غير أن هذه العلاقة أثارت الجدل منذ بدايتها. فبعد عامين فقط، وفي عام 1975، أجرت حكومة حزب العمال المنتخبة حديثا أول استفتاء وطني شامل في تاريخ المملكة المتحدة حول البقاء في الجماعة الاقتصادية الأوروبية. وصوّت نحو 67 في المئة من الناخبين لمصلحة البقاء، رغم أن الانقسامات العميقة بشأن أوروبا ظلت قائمة.

ومنذ ذلك الحين، غيّر كثير من الناخبين البريطانيين رأيهم في جدوى البقاء داخل هذا التكتل، وتحولت الريبة الأولى لديهم إلى عداء صريح، مع انتقال الاتحاد الأوروبي تدريجا من تكتل تجاري إلى اتحاد سياسي، بما بدا لهم تحديا للاستقلال السيادي للقوى الأوروبية الكبرى.

وأدى ذلك إلى عقود من التشكيك في الاتحاد الأوروبي داخل الأوساط السياسية وقطاعات واسعة من الإعلام البريطاني.

وتسارعت وتيرة الاندماج بين القوى الأوروبية خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وكانت رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت تاتشر، إحدى أبرز الوجوه البريطانية المتشككة في المشروع الأوروبي، تصطدم بانتظام مع القادة الأوروبيين حول قضايا عدة، منها حجم المساهمة المالية البريطانية، التي رأت لندن أنها مرتفعة على نحو غير متناسب. وتمكنت تاتشر عام 1984 من انتزاع "الخصم البريطاني".

وتبلور موقف تاتشر المعارض للمشروع الأوروبي في خطابها الشهير في بروج عام 1988، حين حذرت من قيام "دولة أوروبية عظمى"، ودافعت عن منطقة تجارة حرة، لا عن اتحاد سياسي أو اقتصادي.

وتحوّلت الجماعة الاقتصادية الأوروبية رسميا إلى الاتحاد الأوروبي بموجب معاهدة ماستريخت عام 1993. وبموجب هذه المعاهدة، حصلت المملكة المتحدة على استثناءات جوهرية، أبرزها عدم الانضمام إلى العملة الموحدة، اليورو، ولا إلى منطقة شنغن، التي ألغت ضوابط الجوازات على الحدود المشتركة بين دولها. وتضم هذه المنطقة 29 بلدا أوروبيا ألغت الرقابة على حدودها الداخلية، بما يتيح التنقل بينها ضمن فضاء واحد وسياسة تأشيرات مشتركة.

توسع الاتحاد الأوروبي شرقا عام 2004 أدى إلى تدفق واسع للمهاجرين إلى المملكة المتحدة، فأثار مخاوف عامة من الضغط على البنية التحتية المحلية، وتراجع الأجور، والتغيرات الثقافية

لكن توسع الاتحاد الأوروبي شرقا عام 2004 أدى إلى تدفق واسع للمهاجرين إلى المملكة المتحدة، فأثار مخاوف عامة من الضغط على البنية التحتية المحلية، وتراجع الأجور، والتغيرات الثقافية.

ثم جاءت الأزمة المالية عام 2008 لتثقل كاهل الاقتصادات الأوروبية، وتثير في بريطانيا انزعاجا واسعا من المضي في تعميق الاندماج المالي والسياسي. وفي تلك الأثناء، اكتسب حزب استقلال المملكة المتحدة، المتشكك في الاتحاد الأوروبي بقيادة نايجل فاراج، زخما سياسيا كبيرا. وخاض الحزب حملة شرسة من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي وخفض الهجرة بحدة، مشكلا تهديدا انتخابيا جديا لحزب المحافظين الحاكم.

وكانت رغبة كاميرون في منع حزب المحافظين من خسارة أصوات لمصلحة حزب استقلال المملكة المتحدة عاملا رئيسيا آخر في قراره إجراء الاستفتاء. ثم جاءت حملة الاستفتاء مدفوعة بنقاش وطني عميق حول الهجرة والسيادة والتبعات الاقتصادية للعولمة.

واصل نواب المحافظين الضغط على قيادة الحزب لإجراء تصويت على الاتحاد الأوروبي، في وقت كان حزب استقلال المملكة المتحدة يكتسب زخما متزايدا بحملته الشرسة ضد عضوية الاتحاد. وحين حقق كاميرون، على نحو مفاجئ، أغلبية صريحة في الانتخابات العامة عام 2015، منهيا ائتلافا استمر خمس سنوات مع حزب الديمقراطيين الأحرار، أعلن قراره الدعوة إلى استفتاء في العام التالي.

كانت الهجرة والسيادة في صلب الجدل حول بريكست، إذ أراد كثير من الناخبين استعادة السلطة الكاملة للبرلمان البريطاني والمحاكم البريطانية في مواجهة قانون الاتحاد الأوروبي. كما خلّف القلق الاقتصادي الذي أعقب الأزمة المالية عام 2008 شعورا لدى مجتمعات كثيرة من الطبقة العاملة بأنها تُركت على الهامش، فيما غذّت حملة الخروج نزعة معادية للمؤسسة، واستثمرت انعدام الثقة بالنخب في وستمنستر وبروكسل معا.

(رويترز)
متظاهر مناهض لـ"بريكست" يلوح بعلم يحمل ألوان أوكرانيا أمام البرلمان البريطاني في لندن، 5 مارس 2025

وفي نهاية المطاف، اختار الناخبون مغادرة الاتحاد الأوروبي بنسبة 52 في المئة مقابل 48 في المئة، في 23 يونيو/حزيران 2016.

ربما فاز كاميرون بسباق قيادة واحد، أو بسباقين إذا احتُسب تشكيل ائتلاف عام 2010، وبانتخابات عامة واحدة، وباستفتاءين خلال السنوات العشر السابقة، غير أن الحظ خانه في النهاية. فقد وضع نفسه في قلب حملة البقاء، وصاغ القرار باعتباره مسألة ثقة، فارتهن مستقبله السياسي وسمعته الشخصية بنتيجة التصويت.

وبعد أن عوّل كثيرا على قدرته على انتزاع تغيير جوهري في علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي، كان متوقعا أن يرفض المتشككون في أوروبا داخل حزبه التنازلات التي عاد بها بعد تسعة أشهر من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وأن يعتبروها دون المطلوب.

وقد كشف ذلك عن مشكلة أعمق. فبعدما كرر أنه "لن يستبعد أي خيار" إذا لم يحصل على ما يريد، أصبح إقناع البريطانيين بالحماسة للبقاء، استنادا إلى إصلاحات رآها كثيرون متواضعة في أحسن الأحوال، مهمة شاقة منذ البداية.

ولأنه لم يكن الرجل الأقدر على كسب مؤيدي حزب العمال، عجز رئيس الوزراء عن إقناع عدد كاف من الناخبين المترددين بمنحه فرصة الشك لمصلحته.

وكان فشله في تحقيق النتيجة التي أرادها، إلى جانب رغبته في محاولة توحيد البلاد بعد حملة قاسية، ما دفعه إلى إعلان أنه سيترك منصب رئيس الوزراء بحلول أكتوبر/تشرين الأول.

وما اتضح من الحملة أن التصويت لمصلحة الخروج كان تعبيرا عن هوية البلاد الوطنية، بكل ما تنطوي عليه، بقدر ما كان موقفا من مستقبلها الاقتصادي والسياسي.

وأطلقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي رسميا عملية الخروج، المعروفة بالمادة 50، في 29 مارس/آذار 2017. وبعد ثلاث سنوات من المفاوضات الداخلية والدولية المعقدة، غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي رسميا في 31 يناير/كانون الثاني 2020.

ثم تلت ذلك مرحلة انتقالية استمرت 11 شهرا، دخلت بعدها القواعد والأنظمة التجارية الجديدة، بموجب اتفاق التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، حيز التنفيذ الكامل في الأول من يناير/كانون الثاني 2021.

وبعد عشر سنوات، لا يزال الجدل حول بريكست مثيرا للانقسام كما كان، إذ يشعر كثير ممن صوّتوا للخروج بالغضب من محاولات حكومة حزب العمال بقيادة السير كير ستارمر بناء علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي. وقد يكون تصويت بريكست عام 2016 لحظة زلزالية في السياسة البريطانية، لكنه لم يحسم، حتى اليوم، التحديات المعقدة المتصلة بطبيعة العلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة وجيرانها الأوروبيين.

font change

مقالات ذات صلة