تعيد كل معركة على زعامة "حزب العمال" ملف أوروبا إلى الواجهة. مثلا، آندي بورنهام، أحد أبرز المرشحين لخلافة السير كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية تحدث عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا فاز في الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد يوم 18 يونيو/حزيران 2026. غير أن ميل كثير من ناخبيه المحتملين، ممن أيدوا بريكست سابقا، دفعه أخيرا إلى التحذير من أن فتح هذا الباب مجددا قد يزج بريطانيا في "مأزق دائم". أما ويس ستريتينغ، وهو مرشح آخر، فيبدو أكثر صراحة في رغبته في التراجع عن بريكست. وحتى السير كير نفسه يقول إن على بريطانيا أن تعود إلى قلب أوروبا.
تبدل الكثير منذ أن صوت البريطانيون قبل عقد بنسبة 52 في المئة مقابل 48 في المئة لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي. يومها بدا العالم أكثر رحابة، إذ خيم السلام على أوروبا، وتمددت العولمة، ورسخ تحالف قوي عبر الأطلسي. لكن تلك الصورة تلاشت. فعادت الحرب إلى القارة، وتعثر مسار التجارة العالمية، وقوض دونالد ترمب حلف شمال الأطلسي. وفي الوقت نفسه، أعاد التركيز المتجدد على أمن القارة تشكيل الاتحاد الأوروبي. وباتت الفاتورة الاقتصادية لبريكست أكثر وضوحا، إذ تشير التقديرات إلى أنها لا تقل عن 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تتجاوز ذلك.
وتبدل المزاج الشعبي بدوره. فقد أظهر استطلاع حديث لمؤسسة "يوغوف إن" 58 في المئة من المشاركين يرون أن مغادرة الاتحاد الأوروبي كانت خطأ، مقابل 29 في المئة فقط يعدونها قرارا صائبا. وتشير استطلاعات أخرى إلى أن أغلبية واسعة تفضل توثيق الروابط مع الاتحاد الأوروبي. بل إن بعضها يلمح إلى أنه لو أُجري استفتاء على بريكست اليوم، لمالت الكفة، بعد استبعاد المترددين، بنسبة 62 في المئة مقابل 38 في المئة لمصلحة العودة إلى "الاتحاد".
يتحدث نيك توماس سيموندز، الوزير المكلف بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، عن تحول أمني دائم في العلاقة. ويرى أن مفهوم الأمن يمكن أن يتسع إلى ما يتجاوز الدفاع، ليشمل الغذاء والطاقة والصناعة والاقتصاد. وشملت عملية "إعادة الضبط" التي انطلقت في قمة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة العام الماضي ملفات تتصل بالغذاء، ومخططا لتبادل الشباب، وقواعد تداول الكربون، والكهرباء. وتأمل الحكومة إنجاز هذه الملفات كلها قبل قمة ثانية هذا الصيف. غير أن العوائد المتوقعة تظل محدودة، إذ لا يرجح أن تتجاوز 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 15 عاما.

وتقوم سياسة الحكومة الآن، إلى حد بعيد، على مسايرة لوائح الاتحاد الأوروبي. فهذا "التوافق الديناميكي" يرمي إلى تقليص الروتين الذي يعرقل التجارة مع "الاتحاد". ومن المفترض أن يمهد مشروع قانون جديد لهذا المسار. وقد تمتد "إعادة الضبط" لاحقا لتشمل قطاعات السيارات والمواد الكيميائية والأدوية. ويفاخر توماس سيموندز بأن بريطانيا عادت إلى برنامج إيراسموس لتبادل طلاب الدراسات العليا، رغم ما يترتب على ذلك من كلفة يتحملها دافعو الضرائب البريطانيون.

