بريطانيا تتراجع عن بريكست بصمت

أي حكومة يشكلها "حزب العمال" ستجد نفسها مضطرة إلى تخفيف خطوطها الحمراء إذا أرادت اقترابا حقيقيا من الاتحاد الأوروبي

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
مؤيدون للاتحاد الأوروبي يرفعون الأعلام قرب البرلمان البريطاني تزامنا مع جلسة أسئلة رئيس الوزراء في لندن، 20 مايو 2026

بريطانيا تتراجع عن بريكست بصمت

تعيد كل معركة على زعامة "حزب العمال" ملف أوروبا إلى الواجهة. مثلا، آندي بورنهام، أحد أبرز المرشحين لخلافة السير كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية تحدث عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا فاز في الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد يوم 18 يونيو/حزيران 2026. غير أن ميل كثير من ناخبيه المحتملين، ممن أيدوا بريكست سابقا، دفعه أخيرا إلى التحذير من أن فتح هذا الباب مجددا قد يزج بريطانيا في "مأزق دائم". أما ويس ستريتينغ، وهو مرشح آخر، فيبدو أكثر صراحة في رغبته في التراجع عن بريكست. وحتى السير كير نفسه يقول إن على بريطانيا أن تعود إلى قلب أوروبا.

تبدل الكثير منذ أن صوت البريطانيون قبل عقد بنسبة 52 في المئة مقابل 48 في المئة لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي. يومها بدا العالم أكثر رحابة، إذ خيم السلام على أوروبا، وتمددت العولمة، ورسخ تحالف قوي عبر الأطلسي. لكن تلك الصورة تلاشت. فعادت الحرب إلى القارة، وتعثر مسار التجارة العالمية، وقوض دونالد ترمب حلف شمال الأطلسي. وفي الوقت نفسه، أعاد التركيز المتجدد على أمن القارة تشكيل الاتحاد الأوروبي. وباتت الفاتورة الاقتصادية لبريكست أكثر وضوحا، إذ تشير التقديرات إلى أنها لا تقل عن 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تتجاوز ذلك.

وتبدل المزاج الشعبي بدوره. فقد أظهر استطلاع حديث لمؤسسة "يوغوف إن" 58 في المئة من المشاركين يرون أن مغادرة الاتحاد الأوروبي كانت خطأ، مقابل 29 في المئة فقط يعدونها قرارا صائبا. وتشير استطلاعات أخرى إلى أن أغلبية واسعة تفضل توثيق الروابط مع الاتحاد الأوروبي. بل إن بعضها يلمح إلى أنه لو أُجري استفتاء على بريكست اليوم، لمالت الكفة، بعد استبعاد المترددين، بنسبة 62 في المئة مقابل 38 في المئة لمصلحة العودة إلى "الاتحاد".

يتحدث نيك توماس سيموندز، الوزير المكلف بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، عن تحول أمني دائم في العلاقة. ويرى أن مفهوم الأمن يمكن أن يتسع إلى ما يتجاوز الدفاع، ليشمل الغذاء والطاقة والصناعة والاقتصاد. وشملت عملية "إعادة الضبط" التي انطلقت في قمة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة العام الماضي ملفات تتصل بالغذاء، ومخططا لتبادل الشباب، وقواعد تداول الكربون، والكهرباء. وتأمل الحكومة إنجاز هذه الملفات كلها قبل قمة ثانية هذا الصيف. غير أن العوائد المتوقعة تظل محدودة، إذ لا يرجح أن تتجاوز 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 15 عاما.

(أسوشييتد برس)
مؤيدون للاتحاد الأوروبي يرفعون الأعلام واللافتات قرب البرلمان البريطاني في لندن، 20 مايو 2026

وتقوم سياسة الحكومة الآن، إلى حد بعيد، على مسايرة لوائح الاتحاد الأوروبي. فهذا "التوافق الديناميكي" يرمي إلى تقليص الروتين الذي يعرقل التجارة مع "الاتحاد". ومن المفترض أن يمهد مشروع قانون جديد لهذا المسار. وقد تمتد "إعادة الضبط" لاحقا لتشمل قطاعات السيارات والمواد الكيميائية والأدوية. ويفاخر توماس سيموندز بأن بريطانيا عادت إلى برنامج إيراسموس لتبادل طلاب الدراسات العليا، رغم ما يترتب على ذلك من كلفة يتحملها دافعو الضرائب البريطانيون.

أغلبية واسعة من البريطانيين تفضل توثيق الروابط مع أوربا والبعض يرجح أنه لو أُجري استفتاء على بريكست اليوم، لمالت الكفة لمصلحة العودة إلى "الاتحاد"

غير أن الوصول الكامل إلى سوق الاتحاد الأوروبي لا يتحقق إلا باتفاق متبادل، وهو اتفاق مشروط بطبيعته. فالاتحاد الأوروبي يريد حماية سوقه الموحدة من منطق "الانتقائية". كما يتعين عليه الحفاظ على توازن الترتيبات التي أبرمها مع دول من خارج الاتحاد، وفي مقدمتها النرويج داخل المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وسويسرا بموجب ترتيباتها الخاصة. وما يزيد المشهد تعقيدا أن الحكومة البريطانية لا تزال متمسكة بخطوطها الحمراء: لا عودة إلى السوق الموحدة، ولا إلى الاتحاد الجمركي، ولا إلى حرية تنقل الأشخاص.

العقبة الأولى هي المال. فالقاعدة التي يتمسك بها الاتحاد الأوروبي واضحة: من يريد المشاركة عليه أن يدفع. لذلك يريد أن يقترن دخول بريطانيا إلى سوق الكهرباء الأوروبية بالمساهمة في صناديق التماسك التابعة للاتحاد، وهي صناديق خُصصت لدعم أعضائه الأفقر. وكان الخلاف على المال كفيلا بإحباط محاولة بريطانيا، العام الماضي، الانضمام إلى صندوق الدفاع الأوروبي (سيف) والبالغة قيمته 150 مليار يورو، أي 180 مليار دولار أو 130 مليار جنيه إسترليني، في حين تساهم النرويج وسويسرا بالفعل في صناديق التماسك الأوروبية. ومع ذلك، تظل الخلافات المالية، في نهاية المطاف، قابلة للمساومة. ويقول توماس سيموندز إنه يتعامل معها ببرغماتية صارمة.

(أسوشييتد برس)
الناشط المؤيد للاتحاد الأوروبي ستيف براي قرب البرلمان البريطاني خلال جلسة أسئلة رئيس الوزراء في لندن، 20 مايو 2026

لكن العائق الأكبر أمام علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي يبقى غياب التوافق السياسي في الداخل. فكل من "المحافظين" و"حزب إصلاح المملكة المتحدة" يتعهد بإلغاء أي تعديلات تجريها الحكومة بهدف التقارب مع الاتحاد الأوروبي. وكلاهما يرفض إعادة فتح ملف بريكست. غير أن توماس سيموندز يعتقد أن أي حكومة جديدة لن تسارع، على الأرجح، إلى إعادة نصب الحواجز إذا وجدت الشركات أن إزالة العوائق أمام التجارة مع الاتحاد الأوروبي عادت عليها بمكاسب ملموسة.

على الطريقة السويسرية

قد يكون النموذج السويسري الأقرب إلى ما تطمح إليه بريطانيا. فسويسرا تتمتع بالنفاذ إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي في السلع لا في الخدمات، كما أنها ليست عضوا في الاتحاد الجمركي، ما يتيح لها إبرام اتفاقات تجارية مع دول أخرى. وينصح دبلوماسيون سويسريون بتجنب الارتهان للخطوط الحمراء، فقد حصلت بلادهم على معظم ما تحتاج إليه من دون التفريط في نظام الديمقراطية المباشرة. وبما أن الناخبين مطالبون بالموافقة على أحدث حزمة مع الاتحاد الأوروبي في استفتاء يُرجح إجراؤه العام المقبل، فلن يكون في وسع الاتحاد الأوروبي أن يمنح البريطانيين معاملة أكثر سخاء. بل إن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي أعربوا، بحسب التقارير، عن معارضتهم لأي اتفاق مماثل مع بريطانيا.

سويسرا تتمتع بالنفاذ إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي في السلع لا في الخدمات وهو النموذج الأقرب إلى ما تطمح إليه بريطانيا

يرفض توماس سيموندز فكرة استنساخ تجارب الآخرين، ويفضل صيغة مصممة خصيصا لبريطانيا. لكن دبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي يردون بأن الخيارات المتاحة ليست سوى نماذج جاهزة. وخف حذرهم من منطق "الانتقائية" جزئيا لأن السويسريين مارسوه بالفعل. كما أن الاتحاد الأوروبي بات أقدر على التعايش مع فكرة العضوية الجزئية، لأنه يمكن أن يجد نفسه مضطرا إلى عرضها على دول أخرى تطمح إلى الانضمام، وفي مقدمتها أوكرانيا. غير أن العقدة الأصعب بين الخطوط الحمراء تظل رفض حرية تنقل الأشخاص.

إذ تقبل سويسرا حرية التنقل، لكنها تحتفظ بآلية كبح طارئة إذا ارتفعت الأعداد أكثر مما ينبغي. وتذهب دول عدة في الاتحاد الأوروبي، بينها الدنمارك وبلجيكا، إلى مواقف أشد من بريطانيا في اشتراط حصول الوافدين على وظائف قبل وصولهم، وفي منعهم من الاستفادة الفورية من مزايا الرعاية الاجتماعية. في المقابل، يشتكي كثير من البريطانيين اليوم من فقدان حريتهم في التنقل داخل الاتحاد الأوروبي. وعلى أي حال، تراجعت أعداد الهجرة بشكل حاد.

(رويترز)
عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام خلال إطلاق حملته الانتخابية الفرعية في أشتون إن ميكرفيلد، 22 مايو 2026

ويكشف استطلاع جديد أجرته مجموعة الضغط المؤيدة للاتحاد الأوروبي "بيست فور بريتن" أن أغلبية تبلغ 63 في المئة تؤيد مبدأ حرية التنقل، مقابل 22 في المئة تعارضه. وترتفع النسبة إلى 90 في المئة بين ناخبي "حزب العمال" و"حزب الخضر" و"الحزب الليبرالي الديمقراطي"، بينما يبدي ناخبو "المحافظين" و"إصلاح المملكة المتحدة" قدرا أكبر من التحفظ. وقد يقرر رئيس وزراء أكثر جرأة من "حزب العمال" أن يتجنب المعركة السياسية المباشرة حول التراجع عن بريكست، وأن يقايض حرية تنقل الأشخاص بوصول أوسع إلى السوق الموحدة، على الطريقة السويسرية.

font change

مقالات ذات صلة