الملاذات المالية تزدهر رغم حملات التضييق

المراكز المالية الخارجية تتجاوز صورة المياه الصافية ووعد السرية

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
صورة جوية للشاطئ الجنوبي في جزيرة غراند كايمان، 14 فبراير 2024

الملاذات المالية تزدهر رغم حملات التضييق

منذ الأزمة المالية العالمية في 2007-2009، بدا مرارا أن أيام التمويل الخارجي (الأوف شور) أو ما يُعرف بالملاذات المالية باتت معدودة. ففي عام 2010، أقرت الولايات المتحدة قانون الامتثال الضريبي للحسابات الأجنبية (FATCA)، الذي ألزم المؤسسات المالية الأجنبية بالكشف عن أصول الأميركيين. وبعد عام واحد، أعلن نيكولا ساركوزي، وكان آنذاك رئيسا لفرنسا ومجموعة العشرين معا، أن الملاذات الضريبية ستواجه نبذا عالميا. وفي عام 2016، كشف صحافيون استقصائيون عن "وثائق بنما"، وهي أرشيف هائل من الوثائق تتبع مئات الآلاف من المتهربين من الضرائب. ودفعت هذه التسريبات كثيرا من حكومات العالم الغني إلى إلزام المراكز المالية الخارجية بإنشاء سجلات للملكية المستفيدة، وتبادل المعلومات مع ولايات قضائية أخرى تحت طائلة العقوبات.

لكن ما حدث منذ ذلك الحين أن ساركوزي نفسه انتهى إلى العزلة، بعد فترة قصيرة قضاها في السجن على خلفية مخالفات في تمويل حملته الانتخابية. أما المراكز المالية الخارجية، فعلى بعض المقاييس، تبدو اليوم أكثر رواجا من أي وقت مضى. وبين عامي 2010 و2024، نمت الأصول الخارجية الإجمالية للشركات بوتيرة تزيد بنحو 50 في المئة على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتضاعفت قيمتها الاسمية إلى أكثر من 64 تريليون دولار. وبحلول نهاية العام الماضي، كانت 31 في المئة من إجمالي الرصيد القائم لسندات الشركات الدولية، التي تستخدمها الشركات لجمع الديون خارج بلدانها الأصلية، قد صدرت في مراكز مالية خارجية. وهذا مستوى قياسي، صعودا من أدنى مستوى بعد الأزمة المالية عند 24 في المئة في عام 2010.

ويعود جانب كبير من هذا النمو الحديث إلى سبب لافت. فكما يلاحظ جيسون شارمان، من جامعة كامبريدج، فإن "السرية كانت أقل أهمية مما ظن الناس". وينطبق الأمر نفسه على تراخي القواعد التنظيمية. ويوضح أندرو موريس، من جامعة تكساس إي آند إم، وهو باحث آخر في التمويل الخارجي، أن الملاذات المالية، لصغر حجمها ومرونتها، تملك في بعض المجالات أطر تنظيم أكثر كفاءة. وهذا ما يجعلها جاذبة خصوصا للقطاعات الأسرع نموا في عالم المال، مثل إعادة التأمين وصناديق الائتمان الخاص وثروات الأسواق الناشئة. كما يمنحها ذلك حافزا للبقاء خارج قوائم المخالفين لدى الجهات الرقابية في العالم الغني.

(رويترز)
عبّارة ركاب تغادر الحوض البحري الملكي قرب ميناء هاميلتون في برمودا، 15 يوليو 2013

ويرتبط نمو إعادة التأمين الخارجية بصعود صناديق الأسواق الخاصة. ففي السنوات الأخيرة، ضخت شركات التأمين على الحياة الأميركية، التي تبيع لزبائنها الأميركيين معاشات دورية مضمونة العائد، استثمارات كبيرة في أصول خاصة غير سائلة. كما أحالت قسما متزايدا من التزاماتها وأصولها إلى شركات إعادة التأمين، بما يخفف أعباء ميزانياتها ويتيح لها بيع مزيد من المعاشات. وغالبا ما تتولى إدارة هذه الأصول غير السائلة، مثل الأسهم الخاصة والائتمان الخاص والعقارات واستثمارات رأس المال المغامر، وشركات "وول ستريت" العملاقة في الأسواق الخاصة، مثل "أبولو" و"كيه كيه آر"، نيابة عن شركات إعادة التأمين، ومن خلال كيانات مسجلة هي الأخرى في مراكز خارجية.

بين عامي 2010 و2024، نمت الأصول الخارجية الإجمالية للشركات وتضاعفت قيمتها الاسمية إلى أكثر من 64 تريليون دولار

ويطلق أحيانا على هذا التشابك بين شركات التأمين على الحياة وشركات إعادة التأمين ومديري الأصول الخاصة، الذين باتوا اليوم في كثير من الأحيان يملكون الطرفين الآخرين أو يعملون على مقربة وثيقة منهما، اسم "مثلث برمودا"، نسبة إلى الولاية القضائية الكاريبية التي ازدهر فيها هذا النموذج. وتوفر برمودا أرضا خصبة لهذا النشاط، لأن الجهات الرقابية فيها تسمح لشركات إعادة التأمين بتمويل حيازاتها من أنواع معينة من استثمارات الأصول الخاصة برأسمال أقل مما تشترطه الولايات المتحدة. كما تتيح لهذه الشركات استخدام نماذجها الداخلية لإثبات تطابق هذه الاستثمارات مع التزامات المعاشات الدورية.

وأقر المنظمون الأميركيون والأوروبيون هذا الترتيب بفضل التطور التنظيمي في برمودا. ويشير موريس إلى أن ولاية فيرمونت استلهمت بعض الأفكار البرمودية عند تصميم قواعدها الخاصة بتمويل التأمين. وساعد ذلك برمودا على أن تصبح موطنا لأصول إعادة تأمين تبلغ قيمتها 1.5 تريليون دولار، أي ما يقارب 4 في المئة من إجمالي صناعة التأمين العالمية، و15 في المئة من رأس مال إعادة التأمين عالميا.

وتريد جزر كايمان هي الأخرى نصيبا من هذا النشاط. فقد رُفعت في عام 2023 من "القائمة الرمادية" للجهات المخالفة في عالم المراكز الخارجية، وهي قائمة تحتفظ بها "مجموعة العمل المالي الدولية". وتضاعفت أصولها في إعادة التأمين أربع مرات منذ عام 2020، لتتجاوز 100 مليار دولار. كما اجتذبت عددا كبيرا من صناديق الأصول الخاصة، جزئيا بفضل قانون صدر قبل ست سنوات أخضع لرقابة سلطة نقد جزر كايمان صناديق كانت غير مسجلة سابقا، وهي من النوع الذي يفضله مديرو الأصول الخاصة. ويبدو أن احتمال الخضوع لمزيد من الرقابة جذب من المستثمرين أكثر مما نفّر، إذ ارتفع عدد هذه الصناديق المسجلة في جزر كايمان من أقل من 13 ألفا في عام 2020 إلى ما يقرب من 18 ألفا.

ويأتي العالم الناشئ مصدرا كبيرا آخر لأعمال الملاذات المالية. ففي الأماكن التي تفتقر إلى حقوق ملكية آمنة، يقول شارمان إن التمويل الخارجي يبقى أفضل بديل متاح. ويقول ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، من معهد العلوم السياسية في باريس، إن الأرقام الدقيقة شحيحة، غير أن الروابط المالية الخارجية بين أفريقيا وآسيا، على وجه الخصوص، تشهد صعودا واضحا.

(رويترز)
امرأة تمارس الجري على شاطئ "سيفن مايل بيتش" في جزر كايمان، 27 أبريل 2010

وعلى نحو متزايد، باتت النخب والشركات الأفريقية تودع ثرواتها في مراكز مالية أحدث وأقرب إلى ديارها، وفي مقدمتها دبي. أحيانا تكون الدوافع موضع التباس، كما في حالات تهريب الذهب من أفريقيا. لكن كثيرا منهم يبحثون ببساطة عن مكان يتمتع بقواعد مستقرة وواضحة، وبنية مالية متينة، وخيارات واسعة من المحاسبين والمستشارين وغيرهم من المهنيين. وتقدر هنلي آند بارتنرز، وهي شركة استشارية، أن الإمارات، بما فيها دبي، استقطبت 9800 مليونير مهاجر في عام 2025، أكثر من أي ولاية قضائية أخرى. وخففت الحرب في إيران من بريق دبي، لكنها لم تطفئ جاذبية التمويل الخارجي عموما.

توفر برمودا أرضا خصبة لنشاط الشركات، فهي لشركات إعادة التأمين بتمويل حيازاتها برأسمال أقل مما تشترطه الولايات المتحدة

ولا تستطيع الصين هي الأخرى الاستغناء عن المراكز الخارجية. فمن أجل الوصول إلى رأس المال الأجنبي، دأبت الشركات الصينية منذ سنوات على إنشاء "كيانات المصلحة المتغيرة" في جزر كايمان، تملك، عبر سلسلة من كيانات أخرى، حقوقا تعاقدية في الأرباح التي تحققها شركة تشغيل صينية. وحين يشتري مستثمر في سوق الأسهم الأميركية سهما في شركة صينية مدرجة في الولايات المتحدة، مثل "علي بابا"، أو حين يدعم مستثمر أوروبي في رأس المال المغامر شركة تكنولوجية صينية صاعدة غير مدرجة، مثل "بايت دانس"، الشركة الأم لـ"تيك توك"، فهو في الواقع يضخ المال في كيان كايماني ذي مصلحة متغيرة. وتعتمد شركات صينية كثيرة أخرى على المراكز الخارجية لجمع مليارات الدولارات عبر السندات والائتمان الخاص.

وللالتفاف على القيود الصارمة التي تفرضها الصين على حركة رأس المال، تعيد الشركات الصينية وأصحاب الأعمال الصينيون أيضا استثمار الأرباح التي يحققونها في الخارج عبر ولايات قضائية خارجية. وتعد جزر كايمان وجزر العذراء البريطانية قناتين رائجتين لهذه الاستثمارات، ولا سيما في الأصول الأميركية. ولا يسبقهما كوجهتين لاستثمارات المحافظ الصينية في الخارج سوى هونغ كونغ، وهي نفسها مركز خارجي إلى حد ما، والولايات المتحدة ذاتها. وتسجل الإحصاءات الصينية الرسمية 192 مليار دولار من الاستثمارات في هذين المركزين الخارجيين حتى يونيو/حزيران 2025، أي ثلاثة أخماس ما تستثمره الصين في الولايات المتحدة، وما يقرب من خمسة أضعاف استثماراتها في بريطانيا.

ومع ذلك، لا تسير الأمور كلها لمصلحة المراكز الخارجية. فالجهات الرقابية الأميركية، القلقة من مؤشرات التوتر في أسواق الائتمان الخاص، تزيد من تدقيقها. وفي أبريل، وضعت بريطانيا خططا لتشديد متطلبات رأس المال الخاصة بإعادة التأمين الخارجية، كما زادت اليابان إشرافها على هذا القطاع. أما السلطات الصينية، القلقة من فقدان السيطرة على التكنولوجيا الصينية، فتحاول الحد من استخدام كيانات المصلحة المتغيرة. ويقال إن "مونشوت إيه آي"، وهي شركة تكنولوجيا صينية لافتة، تعمل على تفكيك كيانها الكايماني ذي المصلحة المتغيرة، وتتجه بدلا من ذلك إلى طرح أسهمها في هونغ كونغ. كما أن الحرب في إيران أضعفت جاذبية دبي.

(أ.ف.ب)
علم برمودا يرفرف في المنطقة التجارية بشارع فرونت ستريت في هاميلتون، وسط تسريبات "أوراق بارادايس" المتعلقة بالملاذات الضريبية، 8 نوفمبر 2017

قد تكون هذه التطورات انتكاسات مؤقتة. لكن المراكز الخارجية أثبتت، مرة بعد مرة، قدرة لافتة على التكيف. ويمكن أن يكون ازدهار هذه الكيانات التي أفرزتها العولمة في عالم يزداد تشظيا مفارقة لافتة، لكنه لن يكون أمرا مستغربا.

font change

مقالات ذات صلة