سان فرانسيسكو... "عاصمة العالم" للذكاء الاصطناعي مدينة متأخرة اقتصاديا

الذكاء الاصطناعي يزدهر... لكن موطنه لا يشاركه الازدهار

(أ.ف.ب/"المجلة")
(أ.ف.ب/"المجلة")

سان فرانسيسكو... "عاصمة العالم" للذكاء الاصطناعي مدينة متأخرة اقتصاديا

لم يعرف التاريخ مدينة صنعت ثروة بهذا الحجم وبهذه السرعة. ففي سان فرانسيسكو تتمركز شركتا "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"، وهما من أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم، وتبلغ قيمتهما معا نحو تريليوني دولار. كما تحتضن المدينة 91 شركة ذكاء اصطناعي أخرى "يونيكورن"، أي الشركات الخاصة التي تتجاوز قيمة الواحدة منها مليار دولار، بقيمة إجمالية إضافية تصل إلى 600 مليار دولار.

ويقيم في سان فرانسيسكو أيضا نحو اثني عشر مليارديرا، أو ما يقارب هذا العدد، صنعوا ثرواتهم من الذكاء الاصطناعي. وفيها تحتدم المنافسة على اجتذاب ألمع العقول في علوم الحاسوب. ومع كل هذا الثراء المتدفق، لماذا تبدو عاصمة الذكاء الاصطناعي في العالم مدينة مأزومة؟

تظهر أوضح دلائل استفادة سان فرانسيسكو من طفرة الذكاء الاصطناعي في أغلى أحيائها السكنية، قرب جسر غولدن غيت. ففي باسيفيك هايتس، منزل كان معروضا بسعر يقل قليلا عن 6 ملايين دولار، بيع مؤخرا مقابل 8 ملايين دولار. ويقول روهين دار، وهو وكيل عقاري محلي، إن هذا الحي ليس بالضرورة أفخم مناطق المدينة. كما بيع أخيرا منزل جميل بالفعل على قمة تل مطل على البحر مقابل 56 مليون دولار. أما بين نخبة سان فرانسيسكو، فيكثر الحديث عن نقص في القصور. وتبين بيانات زيلو، وهي شركة وساطة عقارية، أن متوسط سعر منزل الأسرة الواحدة في أغلى خمسة مناطق بريدية في المدينة ارتفع خلال العام الماضي بنحو 10 في المئة.

(أ.ف.ب)
صورة لإعلان شركة ذكاء اصطناعي في سان فرانسيسكو، مع انتشار اللوحات الإعلانية مع توسع هذا القطاع، 16 سبتمبر 2025

لكن من المستبعد أن يكون الذكاء الاصطناعي وراء هذه الطفرة في الإسكان الفاخر. فالسوق قوية بالقدر نفسه، وربما أقوى، في بقاع أميركية أخرى شديدة الثراء، منها أجزاء من الهامبتونز وأسبن، ويعكس ذلك، جزئيا، صعود أسواق الأسهم بقوة واستمرار متانة الاقتصاد. وكثيرون، وربما معظم، من يشترون اليوم في سان فرانسيسكو من فاحشي الثراء ليسوا من أباطرة الذكاء الاصطناعي.

يقيم في سان فرانسيسكو نحو اثني عشر مليارديرا، وتحتدم المنافسة على اجتذاب ألمع العقول في علوم الحاسوب. لكن عاصمة الذكاء الاصطناعي في العالم تبدو كمدينة مأزومة

ففي عام 2024 دفعت لورين باول جوبز، أرملة ستيف جوبز رائد هاتف "آيفون"، 70 مليون دولار لقاء عقار في شارع يعرف باسم "صف المليارديرات". وأنفقت حكومة الجزائر أخيرا أقل بقليل من 10 ملايين دولار على قصر كبير. وقد يجذب بعض المشترين صيت سان فرانسيسكو في الذكاء الاصطناعي، لكن الأرجح أن عددا أكبر ينجذب إلى مدينة كبرى بإطلالات تخطف الأنفاس.

أما في الأجزاء التي لا تحظى بإطلالات مميزة في سان فرانسيسكو، فيبدو سوق الإسكان ضعيفا. فبعد احتساب التضخم، تراجعت قيمة المنزل المتوسط في المدينة بنحو 15 في المئة مقارنة بذروة قيمته في عام 2022، بينما لم يتجاوز التراجع على مستوى الولايات المتحدة كلها 4 في المئة. وانخفضت الإيجارات بالقيمة الحقيقية بدورها. ولا تزال بعض الأحياء تمر بمرحلة تصحيح حاد.

وفي سوما، قرب الحي المالي، يقف أشخاص يتعاطون الأفيونيات أو مخدرات أخرى منحنين إلى الأمام، فيما يتنقل المروجون على دراجات سكوتر. وتراجعت أسعار المساكن الحقيقية هناك إلى ما يقارب 40 في المئة دون مستويات عام 2022، ولا تزال تواصل تراجعها، وهو تغير لا يحدث عادة إلا في ركود واسع. ولا تزال المنطقة مليئة بمبان سكنية تحمل لافتات تعد بافتتاحات لم تتحقق.

(رويترز)
شخص بلا مأوى يجلس عند زاوية شارع مع تصاعد البخار في وسط مدينة سان فرانسيسكو، 22 أكتوبر 2021

تشي سوق الإسكان بمشكلة أوسع. فرغم أن الوضع في سان فرانسيسكو ليس كارثيا على النحو الذي تصوره بعض البرامج الحوارية المحافظة، فإن اقتصادها يبدو واهنا على نحو لافت. فالوجه الآخر لطفرة الذكاء الاصطناعي هو الخطر الكبير الذي يتهدد الأجزاء الأكبر بكثير من قطاع التكنولوجيا في المدينة، أي تلك التي لا تتصل بالذكاء الاصطناعي.

قرب الحي المالي في سوما، يقف أشخاص يتعاطون الأفيونيات أو مخدرات أخرى منحنين إلى الأمام، فيما يتنقل المروجون على دراجات سكوتر

ويخشى مهندسو البرمجيات أن يجدوا أنفسهم خارج سوق العمل قريبا. وحتى قبل صعود الذكاء الاصطناعي، شرعت شركات التكنولوجيا في تسريح الآلاف بعدما بالغت في التوظيف خلال الجائحة. وغادرت شركات أخرى المدينة لخفض التكاليف. وتراجع التوظيف في قطاع "تصميم أنظمة الحاسوب" في منطقة سان فرانسيسكو بنسبة 13 في المئة مقارنة بذروته عام 2022. وأعلنت شركة "إي باي" أخيرا أنها ستغلق مكتبها في سان فرانسيسكو.

ولم تستطع قطاعات أخرى سد الفجوة. فما زال نحو 35 في المئة من مكاتب المدينة شاغرا، كما تراجعت حركة المشاة في وسطها بنحو الثلث مقارنة بما كانت عليه قبيل جائحة "كوفيد-19". أما السياحة فليست في وضع سيئ، لكن نسبة إشغال الفنادق هذا العام لم تتجاوز مستواها في العام الماضي. ويحاول رئيس البلدية الجديد نسبيا، دانيال لوري، جعل المدينة أكثر ترحيبا بالأعمال، وسد عجز في الموازنة يبلغ 643 مليون دولار. وفي مطلع أبريل/نيسان، سرح أكثر من 100 موظف بلدي. ومع ذلك، يواصل ما يمكن وصفه بأنه "الدولة العميقة" في المدينة، من مفتشين ومفوضين ومنظمات غير ربحية ذات نفوذ واسع، فرض تكاليف باهظة. وفي الوقت نفسه يغادر أصحاب الدخل المتوسط المدينة. وخلال العام الماضي انكمشت القوة العاملة في منطقة سان فرانسيسكو الحضرية بنسبة 1 في المئة.

يمكن لثورة الذكاء الاصطناعي أن تفرز المزيد من أصحاب الملايين، وهو ما يمكنه إنعاش سان فرانسيسكو، إذا ما اختاروا البقاء فيها. ففي نوفمبر/تشرين الثاني يصوّت سكان كاليفورنيا على مبادرة لفرض ضريبة جديدة على أثرياء الولاية. وإذا أقرت، سيلزم المليارديرات بدفع مبلغ لمرة واحدة يعادل 5 في المئة من صافي ثرواتهم. ويرجح أن يسرع ذلك وتيرة مغادرتهم الولاية.

(رويترز)
أشخاص يتجمعون أمام مقر شركة "أنثروبيك" مطالبين بوقف تطوير الذكاء الاصطناعي، 21 مارس 2026

وقد يفاقم ذلك متاعب سان فرانسيسكو المالية. فضعف حركة المشاة يضغط على إيرادات ضرائب المبيعات، فيما يحرمها اضطراب سوق الإسكان من جزء من عوائد ضرائب الأملاك. وفي عام 2024 جردت وكالة موديز للتصنيف الائتماني المدينة من تصنيفها الممتاز (تريبل إيه). وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي حذرت "وكالة فيتش"، وهي وكالة تصنيف أخرى، المدينة من "فجوات كبيرة ومستمرة في الموازنة". وهكذا يبدو أفق عاصمة الذكاء الاصطناعي في العالم أقل شبها بتوقعات قطاعها الرائد، وأقرب إلى توقعات طقسها المعتاد: ضباب كثيف للغاية.

font change

مقالات ذات صلة