لا يكاد يختلف اثنان على أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تفرض تكاليف اقتصادية على الأميركيين. ارتفعت أسعار الوقود في محطات التعبئة بأكثر من الثلث منذ اندلاع الحرب، ويتوقع اقتصاديون ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. وبحسب استطلاع حديث أجرته "إبسوس"، يعارض ستة من كل عشرة أميركيين هذا الصراع، وترى أغلبية أن العمل العسكري الأميركي في إيران سيؤثر سلبا في أوضاعهم المالية الشخصية. ولا يعتقد سوى واحد في المئة أن للحرب أثرا إيجابيا على أوضاعهم المالية الشخصية، فيما يرى أقل من ربع الأميركيين المشمولين بالاستطلاع أن الصراع كان يستحق ذلك. فلماذا إذن لا يعبر الأميركيون عن غضب أكبر من الحرب عبر الاحتجاجات؟
ثمة عدة إجابات محتملة. فاستطلاع "إبسوس" نفسه يظهر أن 44 في المئة من الأميركيين لم يسمعوا عن الصراع إلا "قليلا"، وأن 7 في المئة "لم يسمعوا عنه إطلاقا"، ما يوحي إما بفتور الاهتمام بالشؤون العالمية أو بمحدودية الأثر الشخصي والمالي. كما أظهر استطلاع حديث آخر أجرته "غالوب" أن الأميركيين يقلقون بشأن الرعاية الصحية أكثر من قلقهم بشأن الاقتصاد. ودخلت الولايات المتحدة الحرب أيضا وهي تمتلك مزايا استثنائية، إذ أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وتعيش سوق أسهمها ازدهارا تقوده الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما تستفيد وارداتها من قوة الدولار.
أما بالنسبة لمعظم البلدان الأخرى، فتتحول كل ميزة لدى واشنطن إلى نقطة ضعف عند الآخرين. إذ يظهر استطلاع أجري في ست دول من الجنوب العالمي وعياً بنسبة 100 في المئة بالصراع، مع قول سبعة من كل عشرة مشاركين إنهم "قلقون للغاية" بشأن تكاليف المعيشة. ويمكن تفسير هذه الحساسية المتزايدة تجاه أحداث الخليج جزئيا بحقيقة أن غالبية دول العالم، البالغ عددها قرابة 200 دولة، مستوردة صافية للطاقة، بخلاف الولايات المتحدة. وتستحوذ آسيا على نحو 40 في المئة من الطلب العالمي على الطاقة، ما يجعل دولها شديدة التأثر بصدمات الأسعار.

وغالبا ما تفتقر الاقتصادات النامية إلى الحيز المالي الذي يتيح دعم الطاقة لمواطنيها، الذين يكسبون، في كل الأحوال، أقل بكثير مما يكسبه الأميركيون، ويتحملون بصورة غير متناسبة وطأة ارتفاع أسعار الطاقة. وإضافة إلى ذلك، وكما تساعد قوة الدولار المستوردين الأميركيين، فإنها تضر الدول التي تضطر إلى دفع مزيد من الروبيات أو البيسوات لشراء السلع المتداولة بالدولار الأميركي. وأخيرا، فإن المكاسب التي تنتجها طفرة الذكاء الاصطناعي تجني ثمارها أساسا الشركات الأميركية ومساهموها، إذ إن ما يسمى "العظماء السبعة"، التي تشمل "ألفابت" و"أمازون" و"آبل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"تسلا"، جميعها شركات أميركية.



