مخزون النفط الأميركي سياسي أم اقتصادي؟

الاحتياطي سجل أدنى مستوى له منذ 40 عاما في ظل ادارة بايدن

مخزون النفط الأميركي سياسي أم اقتصادي؟

أنشئ احتياطي خزن النفط الاستراتيجي الأميركي في مطلع سبعينات القرن الماضي كمصدر استراتيجي للأمن القومي وأمن الطاقة، للتعامل مع حالات الطوارئ المتعلقة بإمدادات النفط. إذ يعدّ الاحتفاظ باحتياطي النفط الاستراتيجي أداة مهمة للأمن القومي لمكافحة أي اضطرابات في أسواق النفط، وهو بوليصة تأمين أميركية ضد الانقطاع الحاد في إمدادات النفط أو التقلبات الاقتصادية الشديد، خصوصا أن النفط كان أساس الثورة الصناعية الأميركية في الستينات والسبعينات وشريان الحياة الاقتصادي، وأي خلل في استقرار هذه الإمدادات، يعرض الاقتصاد الأميركي وصحة الاقتصاد العالمي للخطر.

منذ تسلم الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم، جرى سحب نحو 266 مليون برميل من النفط الخام من مخزونات احتياطي النفط الاستراتيجي التي عملت الإدارات السابقة (الديموقراطية والجمهورية) على بنائها. وأضحت الإدارة الديموقراطية الحالية، نتيجة هذا السحب الهائل من المخزونات، تحتفظ باحتياطي نفطي استراتيجي عند أدنى مستوى له منذ عام 1984، حيث يبلغ حاليا نحو 372 مليون برميل فقط، أي ما يقرب من نصف أعلى مستوى له سجله عند 727 مليون برميل في عام 2010.

في الربع الثاني من عام 2022، عندما كان سعر خام برنت في حدود 120 دولارا للبرميل، أعلنت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) سحب كمية إجمالية بلغت 240 مليون برميل من احتياطي النفط الاستراتيجي (الأكبر في التاريخ على الإطلاق)، منها 180 مليون برميل من الولايات المتحدة حتى نهاية العام، و60 مليون برميل من بقية الدول. ولم تشارك في هذا السحب الصين والهند، ثاني وثالث أكبر مستهلكي النفط، ومن أكبر المستوردين للنفط الروسي، مما أثار علامة استفهام كبيرة.

مخزون النفط الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي عند أدنى مستوى له منذ عام 1984، يبلغ حاليا نحو 372 مليون برميل، أي ما يقرب من نصف أعلى مستوى له سجله على الإطلاق عند 727 مليون برميل في عام 2010

من المؤكد أن سحوبات النفط من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ستكون لها تداعيات مستقبلية على الدول المستهلكة، خصوصا في فترة الأزمات، بعدما تسببت في تراجع حاد في المخزونات الاستراتيجية من الصعب تعويضها في المستقبل المنظور. وتعدّ المخزونات المتبقية قليلة جدا، ففي حال الكوارث الطبيعية مثلا، تكفي مخزونات أميركا الاستراتيجية لأقل من 20 يوما فقط، مما يعرض الولايات المتحدة لنقص في الطاقة وشلل في مفاصل الاقتصاد والصناعة الأميركية. 

الفائدة وأسواق النفط

قد يكون السبب الرئيس للسحب الكبير من مخزونات الولايات المتحدة الاستراتيجية هو محاولة خفض أسعار النفط والبنزين، حيث تستهلك أميركا نحو تسعة ملايين برميل يوميا من البنزين، الأعلى في العالم. بالفعل، شهد صيف عام 2022 تراجعا غير متوقع للطلب المحلي على البنزين في الولايات المتحدة، على الرغم من أن الطلب الموسمي يكون في ذروته في هذا الوقت من السنة. إلا أن انخفاض أسعار البنزين، لم يكن نتيجة السحوبات القياسية من الخزن الاستراتيجي، ولكن بسبب تراجع طلب المستهلكين جراء التضخم.

Shutterstock
حقل نفط بيكرسفيلد في كاليفورنيا.

هبطت أسعار النفط  على نحو مطرد في النصف الثاني من عام 2022، من 120 دولارا إلى ما دون الـ80 دولارا مع نهاية النصف الأول من عام 2023، بعد إقدام البنوك المركزية العالمية على رفع أسعار الفائدة للجم التضخم، مصحوباً بقلق متزايد في شأن الانكماش الاقتصادي، ومدفوعاً بالمخاوف المالية، وليس بسبب غياب توازن أسواق النفط. كان انهيار السوق المالية نتيجة واضحة للسياسات النقدية الصارمة ورفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيديرالي الأميركي والبنوك المركزية في عام 2022. تعتبر الفائدة أداة مهمة للحد من الاقتراض، وبالتالي خفض نسبة السيولة في السوق للحد من التضخم. وقد عانت أسواق النفط العالمية من حالة عدم يقين شديدة، تفاقمت بعدما غادرت السيولة السوق قبل أشهر. تسبب هذا النقص الحاد في السيولة في عمليات بيع كبيرة في أسواق العقود الآجلة للنفط، مع التقلبات المنبسطة في الأسعار التي لم تُحفّز المضاربين على المراهنة في أسواق العقود الآجلة للنفط. 

هل تؤخر السياسة إعادة تكون الخزن الاستراتيجي؟

سحب 180 مليون برميل من الاحتياطي الاميركي بمتوسط سعر ما بين 90 و95 دولارا للبرميل، وقد خططت الإدارة في البداية لإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي عند مستوى سعر 70 دولارا للبرميل. إلا أن تصريحات متناقضة تواترت من وزارة الطاقة الأميركية تفيد بأن إعادة تعبئة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي قد تستغرق سنوات عدة، لتتغير بعد ذلك وتعلن أنه بإمكان الولايات المتحدة مباشرة إعادة ملء احتياطها من الخزن النفطي الاستراتيجي في أقرب وقت خلال الربع الثالث من 2023 بأسعار منخفضة، إذا كان ذلك مفيدا لدافعي الضرائب خلال الفترة المتبقية من السنة الجارية.

ما هي الأسباب وراء إحجام الولايات المتحدة عن شراء النفط لملء الخزانات مرة أخرى؟ أهو شح في السيولة؟ أم توقع المزيد من الانخفاض في أسعار النفط؟ أم توقع إثارة زخم ارتفاع للأسعار فور إعلان بدء ملء المخزونات الاستراتيجية؟ 

لم تبدأ الولايات المتحدة في إعادة ملء احتياطها النفطي الاستراتيجي، على الرغم من هبوط سعر خام غرب تكساس إلى 67 دولارا في شهر مارس/آذار الماضي، بينما استمرت في رفع سعر الفائدة. وفي وقت لم يشكل السحب من الخزن الاستراتيجي أي ضغط هبوطي على الأسعار، فقد لا تشكل إعادة التعبئة زخما لارتفاع الأسعار.

ما هي الأسباب وراء إحجام الولايات المتحدة عن شراء النفط لملء الخزانات مرة أخرى؟ أهو شح في السيولة؟ أم توقع المزيد من الانخفاض في أسعار النفط؟ أم توقع إثارة زخم ارتفاع للأسعار فور إعلان بدء ملء المخزونات الاستراتيجية؟ أم أن ذلك سيعزز الطلب ترافقا مع انخفاض الأسعار؟ 

هناك سيناريوهات عدة، إلا أن الأسباب الحقيقية قد تكون سياسية وليست اقتصادية بحتة، خصوصا بالنسبة الى الديموقراطيين، كون الإقدام على شراء النفط بكميات كبيرة سوف يعزز الطلب على النفط وسيرفع الأسعار ويعطي دفعة قوية للطلب ويقلل صادرات الولايات المتحدة من النفط، وهي التي تحاول أن تعوض بعضا من تراجع صادرات النفط الروسي جراء العقوبات الاقتصادية.

وقد شهدت صادرات النفط الأميركي عام 2022 مستوى قياسيا عند 3,6 ملايين برميل يوميا نتيجة زيادة الطلب من أوروبا وارتفاع المعروض من الإنتاج الأميركي وتدفق النفط الخام من احتياطي البترول الاستراتيجي. في المقابل، كان منتجو النفط يواجهون صعوبات في تصدير نفطهم، وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. 

Shutterstock
خزانات للبنزين في جزء من مصفاة لتكرير النفط الصناعي في كاليفورنيا

وحافظت رابطة البترول الأميركية المستقلة (The Independent Petroleum Association of America – IPAA) على موقفها القاضي بعدم استخدام احتياطي النفط الاستراتيجي، وهي تعتبر استنزاف هذا الاحتياطي للتأثير على أسواق النفط أو أسواق منتجاته المكررة خطأ كبيرا، داعية صانعي السياسة إلى معارضة جميع المبيعات غير الطارئة للنفط. 

في حال الكوارث الطبيعية مثلا، تكفي مخزونات أميركا الاستراتيجية لأقل من 20 يوما فقط، مما يعرض الولايات المتحدة لنقص في الطاقة وشلل في مفاصل الاقتصاد والصناعة الأميركية

هل كانت أسعار النفط تخضع لحسابات سياسية أكثر منها اقتصادية ولقوى العرض والطلب، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية. ربما نحتاج الى قراءة مختلفة لأسعار النفط، فما يحصل في أسواق النفط يثير الحيرة نظرا إلى تحرك الأسعار عكس أساسيات السوق. في كل الأحوال، لا يمكن عزل أسعار النفط عن الأوضاع الاقتصادية، أو عن العوامل الضاغطة مثل مؤشر الدولار تبعا لرفع سعر الفائدة.

font change

مقالات ذات صلة