مفاوضات تتقدم... وانقسامات تتعمق

مفاوضات تتقدم... وانقسامات تتعمق

استمع إلى المقال دقيقة

قد يستغرق التوصل إلى نتيجة وقتا أطول مما ينبغي، لكن المفاوضات الحساسة الجارية، بين الولايات المتحدة وإيران، لإنهاء الأعمال العدائية، بدأت أخيرا، خطوة بعد أخرى، تظهر مؤشرات على التحرك في الاتجاه الصحيح.

ولعل أبرز ما خرجت به أحدث جولة من المحادثات غير المباشرة في قطر، كان الإعلان عن اتفاق الطرفين على إنشاء خط اتصال مباشر بين واشنطن وطهران، بهدف منع أي مواجهات عسكرية أخرى غير ضرورية بين الجانبين.

جاء ذلك بعد سلسلة جديدة من الاشتباكات بين "الحرس الثوري" الإيراني والولايات المتحدة، إثر اتهام إيران بمهاجمة سفينتين كانتا تعبران مضيق هرمز، ما دفع الولايات المتحدة إلى شن ضربات على مواقع إيرانية قالت إنها كانت تستخدم لاستهداف السفن.

وهدد التصعيد المفاجئ للتوترات وقف إطلاق النار المحدد بستين يوما، والذي دخل حيز التنفيذ قبل أسبوعين ضمن الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع المتواصل منذ أربعة أشهر.

لذلك، يهدف إنشاء قناة اتصال بين الجانبين إلى تمكين الطرفين من الإبلاغ عن أي انتهاكات مشتبه بها لمذكرة التفاهم المكونة من 14 بندا، والتي اتفقت عليها طهران وواشنطن، ويفترض أن تشكل خريطة طريق نحو تسوية أكثر ديمومة.

أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي ترأس وفد طهران، إنشاء خط الاتصال المباشر، في حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات تحقق تقدما، لا سيما في القضية الصعبة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وقال ترمب للصحافيين في واشنطن: "فيما يتعلق بمسار الأمور، يمضي تجريد إيران من السلاح النووي بشكل جيد".

تشمل مذكرة التفاهم، التي توسطت فيها قطر وباكستان، وقف إطلاق نار لمدة 60 يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز المغلق، وجدولا زمنيا للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحرب والبرنامج النووي الإيراني


وتشمل مذكرة التفاهم، التي توسطت فيها قطر وباكستان وأبرمت في قمة عقدت الشهر الماضي في لوسيرن بسويسرا، وقف إطلاق نار لمدة 60 يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز المغلق، وجدولا زمنيا للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحرب والبرنامج النووي الإيراني.

وبدت الحاجة إلى تحسين الاتصالات بين الجانبين واضحة عقب أحدث الاشتباكات. وقالت طهران إنها هاجمت الشهر الماضي سفينة شحن كانت تعبر مضيق هرمز؛ لأنها سلكت مسارا غير مصرح به عبر الممر المائي في الخليج.

وردت الولايات المتحدة بضرب منشآت إيرانية لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة ومواقع رادار ساحلية، وصفتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، بأنها "رد قوي" على الهجوم الإيراني بالطائرات المسيرة.

وقالت القيادة في بيان: "انتهك العدوان غير المبرر على الملاحة التجارية من جانب القوات الإيرانية وقف إطلاق النار بوضوح".

ومع عدم استعداد أي من الطرفين للدخول في محادثات مباشرة، إذ جرت مفاوضات قطر هذا الأسبوع عبر وسطاء، من الواضح أن الثقة لا تزال شحيحة.

وهناك اعتبار مهم آخر قد يقوّض نجاح المفاوضات على المدى الطويل، وهو أن كلا الطرفين يواجه توترات داخل فريقيهما التفاوضيين بشأن طبيعة الاتفاق الذي يمكن قبوله.

في واشنطن، تختلف مقاربتا نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، في وقت يسعى فيه كل منهما إلى إبراز مؤهلاته بوصفه مرشحا محتملا لخلافة ترمب في البيت الأبيض عند نهاية ولايته الثانية.

يبدو فانس، الذي لم يخف معارضته للحرب، مستعدا لتقديم تنازلات لطهران يرى كثير من مؤيدي الحرب المتشددين في المعسكر الجمهوري أنها غير مقبولة. وتصدر فانس الجهود الدبلوماسية الأميركية لإنهاء الصراع، وهو دور غير معتاد لنائب رئيس أميركي، في عملية يقودها عادة وزير الخارجية.

ويُقال إن فانس قبل هذا الدور، بعدما أبدى روبيو تشككه في إمكانية إبرام اتفاق مقبول مع طهران، ورفض قيادة الوفد الأميركي.

ويقال أيضا إن انخراط إسرائيل في الصراع يشكل سببا للتوتر بين فانس وروبيو. ففي حين أبدى فانس استعدادا لانتقاد إسرائيل، خصوصا بسبب سلوكها في لبنان، اتخذ روبيو موقفا أكثر تحفظا، وحافظ عموما على دعمه لإسرائيل، في العلن على الأقل.

وبينما حرص البيت الأبيض على التقليل من أهمية أي خلاف بين اثنين من أبرز صناع السياسة الخارجية في إدارة ترمب، إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن "الإدارة بأكملها تقف بالكامل خلف جهود الرئيس لضمان أن لا تتمكن إيران أبدا من امتلاك سلاح نووي"، ستكون طهران حريصة على استغلال أي مؤشر على خلافات داخل إدارة ترمب لمصلحتها.

وتظهر أيضا مؤشرات على نشوء توترات في إيران بشأن إدارة المفاوضات، مع اتهام متشددين بقطع مقابلة تلفزيونية فجأة مع كبير مفاوضي السلام في البلاد، بينما كان يدافع عن أحدث اتفاق أبرم مع الولايات المتحدة. فقد توقفت المقابلة المسجلة مسبقا مع محمد باقر قاليباف في منتصف بثها على قناة "آي آر آي إن إن" الحكومية مساء الثلاثاء، ما أثار احتجاجا علنيا نادرا من البرلمان.

كان قاليباف يشرح جزءا أساسيا من المفاوضات عندما اسودّت الشاشة، ثم انتقل البث إلى خطاب قديم لآية الله علي خامنئي، "المرشد الأعلى" السابق. وقال المركز الإعلامي للبرلمان الإيراني إن المقابلة المسجلة سلمت إلى هيئة البث الحكومية قبل موعد البث بأكثر من ساعتين.

ونسب انقطاع البث إلى عناصر متشددة داخل "الحرس الثوري" تعارض تقديم تنازلات كثيرة للولايات المتحدة، خصوصا في ما يتعلق بالبرنامج النووي للبلاد. ويفسر الحادث على أنه دليل إضافي على اتساع الانقسام داخل قيادة الجمهورية الإسلامية.

ومع أن استمرار المفاوضات يمنح أملا بأن الأزمة الطويلة في الخليج لا تزال قابلة للحل، فإن الانقسامات التي تظهر بين المفاوضين على جانبي الصراع توحي بأن تحديات كثيرة لا تزال ماثلة أمام الجهود الرامية إلى إحلال سلام دائم في المنطقة.

font change