المفاوضات الإيرانية - الأميركية.... معركة الروايات بين التشدد والبرغماتية

انقسام حول جدوى الحوار مع واشنطن

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
نساء إيرانيات يمررن بجانب لافتة تُظهر "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي في طهران، وسط استمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز، 16 أبريل 2026

المفاوضات الإيرانية - الأميركية.... معركة الروايات بين التشدد والبرغماتية

في خضم حرب الروايات المتصاعدة بين طهران وواشنطن، لا تزال الصحافة الإيرانية تعكس انقساماً عميقاً حول سؤال مصيري واحد: هل تُجدي المفاوضات مع الولايات المتحدة نفعاً؟ وبينما تتقاطع حجج التيار المحافظ المتشدد مع حسابات الإصلاحيين والمعتدلين، يتجلى هذا الجدل بوضوح في المقالات والبيانات في صحف ومواقع مختلفة.

لم يكتف الجناح المتشدد في المنظومة الإيرانية بإبداء تحفظاته على مسار التفاوض، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد هدّد قائد القوة الجوفضائية في "الحرس الثوري" الإيراني مجيد موسوي، باستهداف منشآت النفط في الشرق الأوسط إذا ما استُخدمت أراضي دول الخليج المجاورة منطلقاً لأي عمل عسكري ضد إيران، قائلاً: "على جيراننا الجنوبيين أن يدركوا أنه إذا استخدمت أراضيهم ومنشآتهم لخدمة الأعداء في مهاجمة الشعب الإيراني فعليهم أن يقولوا وداعاً لإنتاج النفط في الشرق الأوسط".

وفي السياق ذاته، نقل موقع "تابناك" الإخباري التحليلي عن ممثل ولي الفقيه في "الحرس الثوري"، حجة الإسلام عبد الله حاجي صادقي، قوله إن إيران لا تنوي حالياً الدخول في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة إلا بشرط واحد صارم، وهو أن يُقرّ الطرف الأميركي بأن إيران تتفاوض من موقع القوة، وأنه هو من يتفاوض من موقع الضعف والخسارة.

إيران لا تنوي حالياً الدخول في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة إلا بشرط واحد صارم، وهو أن يُقرّ الطرف الأميركي بأن إيران تتفاوض من موقع القوة، وأنه هو من يتفاوض من موقع الضعف والخسارة


الإصلاحيون: التفاوض ضرورة وليس تنازلاً

في المقابل، أصدرت جبهة الإصلاح الإيرانية، التي تضم طيفاً واسعاً من الفصائل الإصلاحية، بياناً واضح المعالم أعلنت فيه دعمها الكامل لاستراتيجية المفاوضات. وأكد البيان أن "الثقة بالفريق التفاوضي الإيراني الذي يحرص على تحقيق الإرادة الوطنية شرط أساسي للتقدم نحو الاتفاق المستدام"، مشيراً إلى أن القدرات الدفاعية والانتصارات الميدانية ليست نقيضاً للدبلوماسية، بل سند لها وعنصر لا يتجزأ من منطق المساومة على طاولة التفاوض.

وحذّر البيان من مغبة الترويج لوجود استقطاب داخلي في مراكز القرار الإيرانية، معتبراً أن إضعاف مكانة المفاوضين لا يصب إلا في مصلحة الخصوم. وخلص إلى أن النظرة الواقعية السياسية والامتثال للقوانين الدولية شرطان لا غنى عنهما لتحقيق أي سلام مستدام.

إدارة الميدان والدبلوماسية في آنٍ واحد

تبنّت صحيفة "اعتماد" الإصلاحية خطاً تحليلياً أكثر تفصيلاً ونضجاً. ففي مقال للكاتب علي رضا رجايي، رأى أن "القرارات الذكية المبنية على مزيج من الواقعية وإدارة المخاطر والتمسك بزمام المبادرة الدبلوماسية هي الخيار الأمثل للجمهورية الإسلامية في هذه المرحلة الخطيرة التي تلفها تطورات أمنية ودبلوماسية مبهمة".

وذهبت الصحيفة إلى أن الخيار الأفضل لإيران يكمن في الإدارة المتزامنة للميدان والدبلوماسية، رافضةً أي فصل مصطنع بين المفاوضات والمقاومة. ودعت إلى تبني سياسة مركّبة تجمع بين الحوار والحضور الميداني، مع الإبقاء على نافذة الدبلوماسية غير المباشرة مفتوحة بوصفها أداةً للمساومة لا للاستسلام.

رويترز
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في إسلام آباد، باكستان، في 11 أبريل 2026

 

القرارات الذكية المبنية على مزيج من الواقعية وإدارة المخاطر والتمسك بزمام المبادرة الدبلوماسية هي الخيار الأمثل للجمهورية الإسلامية في هذه المرحلة الخطيرة التي تلفها تطورات أمنية ودبلوماسية مبهمة


وأوصت "اعتماد" بجملة من التوجهات العملية، أبرزها: الابتعاد عن الاستعجال في ردود الفعل على حرب الإعلام، وصياغة شروط قابلة للتحقق بصورة تدريجية لا تتحول إلى شروط تعجيزية تُغلق باب التفاوض، وتوظيف الدور الباكستاني وسيطاً فاعلاً لتقليص تكاليف التفاوض المباشر، وفتح قنوات غير رسمية لاختبار النوايا الحقيقية للطرف الأميركي. وأشارت إلى أن غياب وحدة الصف الداخلي أو التناقض في الرسائل الموجهة للخارج يُضعف الفريق التفاوضي ويُهدر ورقة ضغط نادرة.

أما الناشط الإصلاحي إسماعيل كرامي مقدم، فقد حذّر في مقاله بالصحيفة ذاتها من خطورة الفشل التفاوضي، مؤكداً أن "المفاوضات استمرار للمقاومة على مستوى آخر"، وأن الانتصار الميداني يبقى منقوصاً ما لم يرافقه إنجاز على طاولة التفاوض. ودعا الشعوب إلى الجمع بين الصمود والذكاء والانسجام في آنٍ واحد.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي

لماذا "لا" للتفاوض؟

في مقال لافت بعنوان: "لماذا نعم ولا للمفاوضات"، سعى الكاتب حميد روشنايي في "اعتماد" إلى تفكيك جذور الموقف الرافض للتفاوض داخل إيران، مرجعاً إياه إلى إرث تاريخي ثقيل من التجارب الاستعمارية. فرغم أن إيران لم تقع تحت الاحتلال المباشر، فإن مفاوضات القوى الكبرى مع حكام ما قبل الثورة تحولت في الوجدان الجمعي إلى رمز للخيانة الوطنية. يُضاف إلى ذلك التدخلات الأميركية الموثقة في الشأن الإيراني، من إسقاط حكومة مصدق عام 1953 إلى دعم صدام حسين إبان الحرب العراقية-الإيرانية، مما رسّخ فجوة فقدان الثقة في الذاكرة الإيرانية.

غير أن روشنايي لا يقف عند هذا الحد، بل يطرح الحجة المضادة بصورة مدروسة. فالمفاوضات في نظره ليست ثقةً بالطرف الآخر، بل هي في جوهرها وسيلة لتبديد انعدام الثقة وتقليص الخسائر. وهي الطريق الأجدى لمنع سوء الفهم في لحظات الأزمات، والأداة الأكثر عقلانية لتحقيق إرادة الشعوب. وخلص إلى أن المفاوضات المجدية ليست استسلاماً، بل مسار طويل يستلزم صبراً وتكتيكاً ووضوح الأهداف.

ونشرت وكالة أنباء "مهر"، المحسوبة على التيار المحافظ، تقريراً بعنوان: "خطأ ترمب المعرفي: إيران لن تُجري المفاوضات تحت الضغط والتهديد". وخلص التقرير إلى أن نموذج الضغط الأقصى الذي يعتمده الرئيس الأميركي ينطوي على سوء فهم جوهري للثقافة السياسية الإيرانية وللاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع الأزمات.

وأوضح التقرير أن إيران تتبنى مفهوم "الصبر الاستراتيجي" الذي يجعل المهل القصيرة التي يفرضها ترمب عديمة الأثر على صانعي القرار في طهران. فالزمن في الاستراتيجية الإيرانية ليس ضغطاً بل ميزة، وإيران دولة تجاوزت تاريخياً أزمات وضغوطاً خارجية أشد وطأة.

والأهم أن التقرير يُميّز بين رفض التفاوض مبدئياً ورفض التفاوض تحت الإكراه. فطهران لا ترفض الحوار بطبيعتها، لكنها ترفض الحوار الذي يبدأ بالإذلال، ذلك أن المفاوض الإيراني يرى في الصمود أمام الضغوط وعدم التنازل عن الخطوط الحمراء انتصاراً قائماً بذاته، حتى في غياب اتفاق رسمي. وهذا التباين في تعريف النجاح بين واشنطن وطهران يمثّل في حد ذاته عقبة هيكلية أمام أي تسوية محتملة.

font change