تتكرر عمليات استهداف دول الخليج عبر مسيّرات وصواريخ قادمة من العراق، وآخرها ما هاجمت به دولة الكويت. وعند كل هجوم يسارع العراق إلى إعلان تعهده بملاحقة منفذي هجمات المسيّرات، في شكل واضح لاختراق السيادة، وبما يظهر عجز العراق الدولة عن بسط سيادته على أقاليمه.
تقول السردية العراقية عبر المحليين الملتحقين ضماً بالولاء لإيران، إن السبب هو التضامن مع دولة إسلامية تعرضت لهجوم وحرب أميركية-إسرائيلية. وتُعتبر نخب عراقية معارضة للحكم في العراق أن من يحكم العراق اليوم هم من وقعوا مع الأميركيين الإطار الاستراتيجي عام 2008، والذي نظم الوجود الأميركي المؤقت للقوات الأميركية وانسحابها عام 2011، متبوعة بالتعاون لمكافحة تنظيم "داعش" عام 2014.
والاتفاق الأخير الفاعل حتى اليوم، جاء بناء على طلب العراق في عهد حكومة نوري المالكي الذي قدم العراق هدية لإيران ويدين بالولاء لها، ومعه عدد كبير من النخبة السياسية الحاكمة والميليشيات التي باتت جزءا من الدولة العراقية. ونوري المالكي اليوم محل تحفظ ورفض أميركي كي لا يعود رئيسا للوزراء، في صورة ازدراء أميركي هائلة لكل من يتعاون معها ببيع بلاده مقابل ثمن البقاء في السلطة. وبهذا فالعراق العظيم، يبدو محتلا من إيران ومن أميركا التي صنعت فيه الفوضى الأولى عندما غيّرت نظام صدام حسين. وتلك إيران التي تعاونت معها، وفازت به كغنيمة حرب.
والسؤال اليوم، بعد أن سعى العرب لاستخلاص العراق من هيمنة إيران، وقدموا له الدعم بكل أنواعه: لماذا ومتى يكون العراق دولة ناجزة تعود فعلا لها سيادتها وقراراتها في ما يخص أمنها؟
بالوضع الراهن، يحتاج العراقيون المخلصون للجلوس مع أنفسهم والتخلص من هيمنة إيران، وتفعيل الدستور العراقي الذي يُحرم أن يكون العراق دولة مقر من وإلى أي هجوم ضد أي دولة، وتحتاج إيران إلى العودة للداخل وأن تكف يدها عن دعم الميليشيات وأن تخرج من العراق نهائيا.
لكن هذا الخيار قد يبدو صعبا وطوباويا، في ظل انهيار الدولة وشيوع الفساد بين النخبة السياسية الحاكمة، وتعدد الولاءات.
وتنص معاهدة (سوفا) الأمنية الأميركية العراقية عام 2008 على حرية القوات الأميركية باستعمال أراضٍ وأجواء العراق والممرات المائية فيه، للهجوم على أي دولة تشكل أو قد تشكل بنظر الاحتلال تهديدا شاملا أو إقليميا للسلم والأمن، أو تهديدا للحكومة العراقية ودستورها، أو تشجع الإرهاب والجماعات الميليشياوية، وعلى الحق المطلق غير المقيد للقوات الأميركية بإضافة وزيادة القواعد العسكرية داخل العراق، كما يحظر على الحكومة والسلطة العراقية وعلى مؤسساتها القضائية ملاحقة أي أميركي.
هذا أبرز ما في بنود اتفاقية عام 2008، التي اعتبرت بنظر العراقيين احتلالا واضحا ومصادرة لسيادة الدولة. واليوم نجد أن التابعين لإيران يتذرعون بأسباب واهية لتبرير الهجمات المسيرة على دول الجوار، وهو انفصال كامل عن واقع العراق ومشاكله. هذا الاتفاق منح الولايات المتحدة حقوقا واسعة وسيطرة على المنشآت والمساحات المتفق عليها. ومنها نظام اتصالات خاص وتركز المادة السابعة والعشرون على التدخل الأميركي عند نشوء أي خطر خارجي أو داخلي ضد العراق أو تهديد نظامه، كما أن البند الثالث من هذه المادة ينص على عدم جواز استخدام أراضي ومياه العراق وأجوائه ممراً أو منطلقا لشن هجمات ضد بلدان أخرى.
في زمن الرئيس دونالد ترمب تزداد أزمة الشرق الأوسط تعقيدا، ويزداد ارتكاب الخطايا، وتزداد إيران رغبة في البقاء والصمود
في 13 يوليو/تموز 2014 استنتج تقرير أميركي سري إن الكثير من الوحدات العسكرية العراقية مخترقة بعمق من قبل متعاونين مع الجماعات الإرهابية أو من قبل المجموعات الخاصة التابعة لإيران، وفي 7 أغسطس/آب 2014 ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطابا للأمة شرح فيه الحالة المتدهورة في العراق، وشرح فيه أنه أمر بتوجيه غارات لحماية الدبلوماسيين والمدنيين في أربيل ولوقف زحف تنظيم "داعش" إليها.
واستنتج الأميركيون أن ثمة دولا تصدّر السلاح للعراق، وأن روسيا هي مصدر أول لتلك الجماعات. وكذلك إيران. وهما دولتان رفضتا الاتفاق بشكل غير مباشر، بيد أنهما آنذاك انشغلتا بالتمدد في سوريا سواء روسيا أو إيران. واستمرت الحرب على "داعش" حتى أعلن رئيس الحكومة حيدر العبادي سيطرة قواته بشكل كامل على الوضع الأمني، وبخاصة الحدود السورية-العراقية، وأعلن انتهاء الحرب على "داعش".
اليوم بات العراق ساحة لقوات حليفة، وتابعة ولائيا لإيران التي تبرر وجودها بأنها ساعدت العراق في حرب "داعش" التي لا خلاف على أن صناعتها وتمويلها وبناء عقيدتها الفكرية كان بعلم الكثير من الأطراف المتصارعة اليوم.
حاليا، بات العراق أسوأ مما كان في أي زمن، دولة مرهونة ومحكومة لملالي إيران، ومدخرات دولة ومواردها ذهبت في الهباء رغم أن هناك محاولات عديدة جرت لاستعادتها، وأهمها الدعم العربي وبخاصة الخليجي.
ولم يحرر مقتل قاسم سليمان العراق لكي يعود لسيادته، بل إن إسماعيل قاآني قائد "فيلق القدس" زاره مؤخرا وتفقد جماعته وحاور قادتها في مشهد من حالة الإرباك التي تعيشها الدولة العراقية اليوم، التي تصر على أنها تملك أمرها.
اليوم في زمن الرئيس دونالد ترمب تزداد أزمة الشرق الأوسط تعقيدا، ويزداد ارتكاب الخطايا، وتزداد إيران رغبة في البقاء والصمود. وقد أغلق الطرفان مضيق هرمز وبدت إيران دولة قابلة للمواجهة بكلفة أرخص من تكلفة الحرب على أميركا التي تواجه أسلحة إيرانية رخيصة قابلة للتصدير للعراق، الذي بات حديقة إيرانية مفاتيحها بيد "الحشد الشعبي" وفصائله.
واعتقد العرب أنهم بسعيهم لاستعادة العراق أنهم نجحوا بتخليصه من الولاء لإيران وهيمنتها الحاكمة على المصير العراقي. لكن لا قيادة في العراق اليوم قادرة على الطلب من إيران كف أيديها. وإذا فعلت، فإنها تقامر بروحها وتنهي وجودها.
ختاماً، المشروع الإيراني في العراق واضح، والمشروع الأميركي يعبر عن نجاحه بلغة فجة، وعدم فهم واضح لمسار التاريخ.