إذا كان دوستويفسكي وتولستوي وبوشكين، من عظماء الأدب الروسي الذي انتشر في أرجاء العالم مع الكثير من التأثير على مثقفي وأدباء بل وأدب تلك الدول التي عرفت أعمال الأدباء الروس، فإن تشيخوف لم تأته الشهرة فعلاً إلا بعد وفاته، رغم انتشار أعماله في الصحف والمجلات الروسية، وتناول أعماله المسرحية في أشهر مسارح موسكو وسان بطرسبورغ وبعض الأقاليم من روسيا الممتدة شرقاً وغرباً.
وقد عرفه العالم سنة بعد سنة، وعقداً بعد عقد حتى بات حديث الأوساط الثقافية في أرجاء العالم، وترجمت أعماله إلى لغات العالم المختلفة. ولم يكن ذلك سهلاً، مع خصوصية إبداع كاتب عظيم مثل أنطون تشيخوف، كاتباً مرهف الأحاسيس، لا يجامل ولا يعبث بالكلمات، بل يشهر حروفه ضد كل معاني القبح والجبن والإسفاف.
وليس من الغريب أن يطلق تولستوي على تشيخوف لقب "فنان الحياة" والتنويه في جهات العالم بمآثره وأنه "مبدع مفهوم ليس فقط من قبل القارئ الروسي، بل وكل البشرية".
وكما قال عنه أحد الممثلين الإنكليز عام 1963: "تشيخوف واحد من أعظم الكتاب تجسيداً للخصوصية القومية، وشخصيات أبطاله روسية صرف، ولكن المشكلات التي تقلق أبطال تشيخوف... السعادة والنكد... الحياة العائلية، المحن، هي واحدة عند الشعوب في مختلف البلدان، وهو كاتب أفصح في إبداعه عن واحدة من أهم الخصائص التي يتشارك بها سكان هذا الكوكب، وهي اهتمام الفكر بالمسائل الأساسية للوجود الاجتماعي، المسائل التي تمس المصالح الحميمة لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه القومي والعرقي".
وقد اعتبر غوركي أن أعظم ما في إبداع تشيخوف هو الحياة، الحقيقة العميقة التي لم يعرف الأدب العالمي مثلها من قبل، لأن تشيخوف اهتم بالقضايا الأساسية للوجود الإنساني وقد عبّر في أعماله بحدة، رافقت التطور التاريخي للعالم وخاصة روسيا.
فلا يمكن لأحد أن ينكر تأثير إبداع تشيخوف على الأدب العالمي، وأنه لعب دوراً في تطوير ذلك الأدب، والذي امتد للمرحلة هذه.
هذا المسرح الذي وُلد في ظروف جديدة تميزت بالريبة الشديدة وبالأزمة الحادة التي تعرضت لها التقاليد القديمة، من سخط اجتماعي متعاظم وتعطش للجديد، ذلك هو المنهل الذي غذّى إبداع الواقعيين الكبار في أرجاء العالم، إن إبداعه إذن قد وقع في خارج وطنه على تربة كانت على أتم الاستعداد لتذوقه في أرجاء عديدة من العالم.
كذلك نلحظ تأثيره الهائل على تطور الواقعية في الأدب العالمي الذي يجد تفسيره في حقيقة أن تشيخوف عرف كيف يتجاوز المرتكزات القديمة التي استهلكت نفسها، متحدثاً ببساطة مذهلة وحجة دامغة لم يسبقه إليها أحد في الأدب العالمي. وإذا كان قد أثر في الأدب العالمي العظيم، فقد بقي على درجة كبيرة من الخصوصية، إذ إن محاكاته مستحيلة، ليس فقط لعدم القدرة على تكرار ما قدمه تشيخوف، بل لأن تلك الحقائق الدامغة التي قدمها في أدبه كانت كافية وتنتفي الحاجة إلى تكرارها.
ومع ذلك، فإن ظهور أجناس وأشكال أدبية جديدة أخذ يتضح أكثر فأكثر مع مضي الزمن، حيث تبدت في الأدب الحديث معالم نواته "التشيخوفية". بيد أن عظمة تراث تشيخوف لا تنحصر أهميتها في قيمته التاريخية وحدها، بل في كونه، اليوم أيضاً ينبض بالحياة، وما زالت مؤلفاته تقرأ في كل أصقاع العالم.
وليس في هذا ما يبعث على الدهشة، لأن المشكلات الاجتماعية والأخلاقية التي بادر إلى طرحها في أعماله، تترجم بسهولة إلى لغة السياسة في عصر ما زال مشحوناً بالصراع السياسي.
ما زال يعلم الكون كيف يمكنه أن يستوعب ويفهم جشع المستغلين، وسطوة الطغاة الذين يتسببون كل ساعة في تسريع اقتراب نهاية الكون
تشيخوف أمس واليوم وغداً مبدع عالمي، يقدره العالم لأن المعضلات الأخلاقية والاجتماعية التي أثارها في إبداعه لم تفقد أهميتها، وما زال يعلم الكون كيف يمكنه أن يستوعب ويفهم جشع المستغلين، وسطوة الطغاة الذين يتسببون كل ساعة في تسريع اقتراب نهاية الكون ودماره، وفي الوقت نفسه فإن عطاءات تشيخوف الإنسانية ما زالت تمتلك مقومات التعليم والإرشاد، فهو يذكرنا من جديد وجديد، بالقضايا الأساسية للوجود الإنساني، يعلمنا التيقظ، فلا ننسى أمر أولئك الذين يقتلون الجمال في غمرة الروتين الحياتي المتدفق، وسط تفاهات الواقع المعاش المعتاد.
تشيخوف حي يكافح معنا، مع الناس الذين يسعون لحماية الجمال في العالم، من أجل تحقيق حلمه بمجتمع إنساني شامل في العالم.