واهمٌ من يظن أنه يستطيع نزع سلاح "حزب الله" بالقوة، وواهمٌ أكثر من يعتقد أن "الحزب" سيوافق تحت أي ظرف على تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية من دون أمر إيراني مباشر بالتخلي عن ترسانته.
ومن الأوهام الرائجة هذه الأيام أيضا، الاعتقاد بالقدرة على وضع لبنان لشروط تصوغ مفاوضاته مع إسرائيل. فهذه الأخيرة، إلى جانب تفوقها العسكري الساحق وإمساكها بثمانٍ وستين بلدة في جنوب لبنان واحتلالها مئات الكيلومترات المربعة من أراضيه، لا تقيم وزنا للقرارات الدولية والرأي العام العالمي ومحكمة العدل والصحافة التي تفضح يوميا نزوع الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع سياسة الإبادة التي اعتمدتها في غزة لتشمل لبنان وربما بلادا أخرى.
فما دام بنيامين نتنياهو متأكدا من مساندة دونالد ترمب له، لن يقف في وجهه لا جلسة لمجلس الأمن الدولي ولا مذكرات توقيف دولية. ويتطابق ذلك تماما مع السمات السائدة في السياسة الدولية حيث الفرد الحاكم وقدرته على تطويع القوانين وخرقها وفقا لمصالحه، تعلو على المواثيق والمعاهدات والقرارات. ويمكننا أن نخصص ساعات طويلة لإحصاء قرارات مجلس الأمن الدولي– على سبيل المثال- التي تتعلق بإدانة الاستيطان في الأراضي المحتلة والدعوة إلى وقفه والتي لم يكن لها أي أثر.
ومن منا نسي أن ترمب مدان بـ34 حكما قضائيا في دعاوى حكمت فيها المحاكم الأميركية التي يقال إنها مستقلة وتشكل جزءا من السلطات النافذة وتعمل على توازنها. ثم انتخب الأميركيون ترمب مع علمهم بالأحكام عليه. وها هو يحكم بسلطات شبه مطلقة ساخرا من معارضيه ومؤيديه معا.
هناك انقسام لبناني حاد بين خياري التفاوض والصراع المسلح مع إسرائيل. وبين الخيارين الكبيرين عدد من التصورات عن قدرة متخيلة على فرض جدول أعمال يمنح لبنان ميزات تفاوضية
الوضع الانتخابي لنتنياهو أصعب. استطلاعات الرأي تقول إنه لن يتمكن من إعادة بناء الائتلاف الذي يضم عتاة المتطرفين العنصريين الذين شكل معهم حكومته الأخيرة وأنه ينتظر العفو من الرئيس الإسرائيلي كي لا يدخل إلى السجن.
الأخبار الجيدة تنتهي هنا. فالبديل المطروح هو التحالف الثلاثي بين يائير لابيد ونفتالي بينيت وغادي أيزنكوت. وليس من بين هؤلاء من يمكن وصفه بداعية سلام. معارضتهم لنتنياهو تصدر من أنه لم يكمل الحرب على إيران وعلى "حزب الله" ورهنه القرار الاستراتيجي الإسرائيلي بيد الأميركيين. ناهيك عن اعتراضات على السياسة الداخلية وعلى درجة جنون العظمة التي بلغها نتنياهو الذي ربط مستقبل إسرائيل بشخصه.
وباستثناء إبعاد بعض الشخصيات التي تستفز الداخل الإسرائيلي بقدر ما تستفز الخارج، من نوع إيتمار بن غفير، يصعب الرهان على أن الحكومة الإسرائيلية، في حال فوز التحالف الثلاثي المشار إليه، ستنتهج سياسة أقرب إلى التهدئة سواء على جبهة الأرض المحتلة في الضفة وغزة أو في لبنان.
ويتعين هنا التشديد على أن الحرب بكل أشكالها، أصبحت جزءا مكونا من صورة إسرائيل عن نفسها بعدما انحازت أكثرية مواطني الدولة العبرية إلى اليمين المتطرف بمختلف ألوانه، الدينية والقومية والشعبوية.
يقابل ذلك انقسام لبناني حاد بين خياري التفاوض والصراع المسلح مع إسرائيل. وبين الخيارين الكبيرين هذين عدد من التصورات عن قدرة متخيلة على فرض جدول أعمال يمنح لبنان ميزات تفاوضية ربما يستطيع أن يملكها في مستقبل بعيد لكنها ليست في متناوله اليوم ولن يسمح له ميزان القوى المعروف بأي شكل من الاستفادة منها.
وهناك وهم ثالث بين وهم انتزاع سلاح "حزب الله" بالقوة من دون تفجير البلد، ووهم تسليم "الحزب" لسلاحه باتفاق رضائي مع الدولة، هو أن لبنان- الذي لا يكاد يمر يوم من دون إشكال طائفي ومذهبي في شوارع مدنه وقراه بسبب التوتر الهستيري الذي أصاب كل سكانه، والتماس الدائم مع خطر انهيار ما تبقى من أشكال الدولة ومؤسساتها- يستطيع الاعتماد على "أصدقاء" متخيلين يهبون لنجدته والتخفيف من مصابه.
إن تشابك عناصر الأزمة، سواء المتعلقة بنكبة الطائفة الشيعية وانغلاق النواة الصلبة لـ"حزب الله" على نفسها وإصرارها على خيارها الانتحاري الذي يدفع كل اللبنانيين ثمنه، من جهة، والإفلاس السياسي الكامل للمنظومة الحاكمة بغض النظر عن أسماء رموزها، تجعل المفاوضات مثلها مثل الاستمرار في القتال نوعا من العبث، من جهة ثانية.
الخيار هنا ليس بين السيئ والأسوأ. فكلا الخيارين (أو الثلاثة أو الأربعة) سيئ، بل بين ما يكلف دما غزيرا وما يكلف دما أقل.