إذا تحدثنا عن ازدهار التراث الفكري العربي الإسلامي خارج نطاق الدول العربية، فإن مدينة تمبكتو في جمهورية مالي تبدو واحدة من أكثر الأمثلة إدهاشا وغموضا.
مدينة صحراوية بعيدة في غرب أفريقيا، لا تطل على بحر، وتبعد عن العاصمة باماكو أكثر من ألف كيلومتر، لكنها احتفظت عبر قرون بثروة فكرية هائلة، تتمثل في مخطوطات جعلتها أحد أهم مراكز الدراسات الإسلامية الأفريقية، حتى أدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
منذ عامين وأنا أحاول السفر إليها من أجل البحث، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. كانت الإجابة تتكرر في كل مرة: الطريق بالغ الخطورة، والوضع الأمني متدهور، والجماعات المسلحة التي حاصرت المدينة قبل سنوات ما تزال حاضرة في المشهد، وسط نزاعات لا تنتهي، ومطارات قد تغلق في أي لحظة. أما الوصول إليها برا، فيعني رحلة طويلة ومرهقة عبر طرق غير آمنة. أما النقل النهري فيرتبط بمواسم محددة على نهر النيجر. وربما لهذا السبب تحديدا، تصبح تمبكتو مدينة تعرف عبر الروايات أكثر مما تعرف عبر المعاينة المباشرة، وبوصفي باحثة في التاريخ، قرأت كثيرا عن التطرف الإسلامي منذ عقود طويلة في أفريقيا، عبر الصحف والدراسات الغربية، بتعابير تكاد تكون ثابتة لا تتغير، ومصطلحات تتكرر باستمرار: المتطرفون، الإرهابيون، المخربون، القراصنة.
لكن التاريخ نفسه يعلمنا أن اللغة السياسية ليست بريئة دائما، وأن المصطلحات كثيرا ما تصاغ من منظور القوى المهيمنة، لتشكيل الرأي العام، وتبرير التدخلات الاستعمارية، وإعادة تقديم الصراعات ضمن سرديتهم الوحيدة. وفي المقابل، تهمل السياقات الاستعمارية والعسكرية والثقافية التي أحاطت بتلك المناطق لعقود طويلة نهبا وسيطرة.
أما في تمبكتو، ووسط هذه الضبابية، وبوجود جماعات إسلامية متطرفة ترغب بطرد القوات الأجنبية الفرنسية والألمانية والهولندية وغيرها.. تبقى الحقيقة الكاملة بعيدة، خصوصا في هذه المدينة المعزولة، الواقعة على حافة الصحراء ونهر النيجر معا.
وهنا تقف المخطوطات بوصفها الحكاية الأهم في المدينة. إذ تحتوي تمبكتو على أكثر من نصف مليون مخطوطة قديمة، في التاريخ والفقه والفلك والطب والجغرافيا والأدب واللغة والتصوف والتجارة، حتى بدت المدينة مكتبة صحراوية هائلة، حافظت على ذاكرة أفريقيا الإسلامية لقرون طويلة.
ومن أكثر القصص إدهاشا في هذا السياق، قصة عبدالقادر حيدرة، أمين مكتبة "ماما حيدرة"، المنتمي إلى عائلة ورثت المخطوطات عبر أجيال متعاقبة منذ القرن السادس عشر. وحيدرة لم يكن موظفا في مكتبة، بل كان وريثا لذاكرة كاملة، تضم نحو تسعة آلاف مخطوطة تملكها أسرته وحدها.
التاريخ يعلمنا أن اللغة السياسية ليست بريئة دائما، وأن المصطلحات كثيرا ما تصاغ من منظور القوى المهيمنة
ومع تصاعد الخطر في المدينة قبل سنوات، بدأ حيدرة عملية تهريب معقدة للمخطوطات، أصبحت لاحقا واحدة من أشهر عمليات الإنقاذ الثقافي في التاريخ الحديث. حيث نقلت الصناديق سرا عبر الشاحنات وقوارب النهر والحيوانات، وخُبئت داخل صناديق الخضار والزيت، وعبرت نقاط التفتيش في رحلة طويلة نحو العاصمة باماكو، بمساعدة أفراد من القبائل ومنظمات دولية وسكان محليين.
لم تكن المعركة فقط ضد الجماعات المسلحة التي لا ترغب بخروج الكنوز من تمبكتو، بل حتى ضد الرطوبة في العاصمة، إذ إن أوراق المخطوطات اعتادت جفاف الصحراء، لا مناخ الجنوب الرطب، وبحسب الروايات المتداولة، جرى إنقاذ نحو 350 ألف مخطوطة بهذه الطريقة، بينما عاش حيدرة شهورا تحت ضغط هائل، إذ إن اكتشاف العملية كان ليكلفه حياته.
لذا، حصل عبدالقادر حيدرة على جوائز دولية وأصبح رمزا للمقاومة الثقافية، وقصته ألهمت العالم الغربي، بإخراجه للمخطوطات، مع التبرير بأنها ليست خيانة للمدينة، بل إنقاذٌ لتاريخها من الحرق المؤكد.
لكن السؤال الأكثر تعقيدا: إذا كانت هذه الجماعات المسلحة ترى في المخطوطات جزءا من التراث الإسلامي للمدينة وكنزا كبيرا لا يجب تهريبه، فكيف من الممكن أن تقوم بحرقها؟ ولماذا هربت؟ وكيف تجتمع الرغبة في حماية الهوية الدينية مع احتمالات التدمير ذاتها؟
ربما تكمن الإجابة في طبيعة الصراعات نفسها، حيث تتحول الثقافة إلى جزء من الحرب، ويتحول التراث إلى رمز للسيطرة والنفوذ، لا مجرد كتب قديمة محفوظة في مدينة طينية. لكن تاريخ تمبكتو العلمي يكشف عن مكانة مختلفة تماما، فقد كانت، مثل القاهرة وفاس وهرر، مركزا مهما للدراسات الإسلامية في أفريقيا، ومخطوطاتها لا تقتصر على التفسير والحديث، بل شملت علم الكلام، والأدب، والتصوف، والطب، والسياسة، وتاريخ أفريقيا، وتجارة الرق في غرب أفريقيا، والمناظرات الفكرية التي شهدتها تلك العصور.
تتحول الثقافة إلى جزء من الحرب، ويتحول التراث إلى رمز للسيطرة والنفوذ، لا مجرد كتب قديمة محفوظة في مدينة طينية
ومع ذلك، أعيدت المخطوطات إلى مكانها الأول، وكأن المدينة الطينية التي سميت، بحسب الروايات القديمة، على اسم امرأة من الطوارق كانت تحفظ ودائع القوافل عند بئرها، ما تزال ترى أن المعرفة لا تستقر إلا في موطنها الأصلي. واليوم، وعلى الرغم من عودة المخطوطات إلى تمبكتو بعد رقمنتها، فإن المدينة ما تزال تصنف ضمنَ المناطق عالية الخطورة، ولا يبدو السفر إليها ممكنا إلا ضمن ترتيبات محلية شديدة التعقيد، أو بحماية خاصة.
ويبقى التساؤل: لماذا أعيدت المخطوطات، في ظل غياب الأمن؟! وهو ما لا نجد له جوابا.