تحل الذكرى التاسعة والعشرون لرحيل الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس (1941–1997) في الخامس عشر من مايو/أيار الجاري، تحل كل عام غداة تاريخ إعلان دولة إسرائيل في 14 من الشهر نفسه. وكأن سعد الله ونوس الذي اشتغل على تقصي التاريخ كمسرح كوني، يسخر هنا في لعبة التحدي بين الحياة والموت من هذا التاريخ، هو الذي انتمى إلى جيل كانت قضية فلسطين فيه هي الضوء الكاشف لأوجاع المواطن العربي والضمير الكوني والمزاج العام للعدالة.
بإمكان كل من يكتب عن تجربة كاتب أو كاتبة، اختيار ملامح يريد استعادتها وزيارتها. وكثيرة وكثيفة هي الملامح والخطوط والمنمنمات والتفاصيل في سيرة هذا الكاتب الكبير، أحد أبرز رواد التنوير في المسرح العربي المعاصر.
سأستعير في هذه السطور للربط بين المراحل التي أود الإشارة إليها خيط الضوء الدرامي الذي مثله حضور نهر بردى على الورق في مسرحية "منمنمات تاريخية" التي تنتمي إلى المرحلة الثالثة والأخيرة في سيرة ونوس. كتبها أوائل التسعينات في سنوات المرض الست الأخيرة التي كثف فيها نتاجه المسرحي وترك لنا نصوصا هي سراج فكره. لغة ثرية الدلالات تروي وتضيء وتنضح بالمعرفة والمخزون الثقافي العاطفي المتخيل وتصل إلى القارئ يسيرة وغير تبسيطية، كثيفة وغير عسيرة، تفتح شهوته على المعرفة والخوض في غمار الفرجة محتفظة بمتعة هذه الفرجة والدعوة إليها والمشاركة فيها، فيما امتلكه الكاتب من رؤيا وجدلية نقدية بين التراث والمعاصرة، أنار بها كلها، لغة النص المسرحي.
في فترة السنوات الست ذاتها، كتب تحفته "طقوس التحولات والإشارات" التي عرضت في الكثير من المسارح العربية وانتقاها المسرح الفرنسي العريق "لاكوميدي فرانسيز" الذي يعود إنشاؤه إلى 1680، للعرض كعمل مترجم عن العربية للمرة الأولى في تاريخه في علاقة شراكة مع معهد العالم العربي في باريس. لم يسعَ ونوس في هذه الأعمال الأخيرة إلى تغيير السلطة والمجتمع، بل اعتمد تأكيد الذات الفاعلة وكيفية بناء الفرد لذاته. كان في هذه المرحلة قد أصيب بإحباط من كل محاولات التغيير، فلا السلطة تغيرت ولا المجتمع تغير. لكنه أعطى التواصل الإنساني بين المرسل والمتلقي بعدا خاصا. واستدعى التراث كما دائما، كي يطل منه على الحاضر وكي يستمد منه شذرات من خيال الظل ومن الحكواتي والمقهى فيستمتع ويمتع.
لم يسعَ ونوس في هذه الأعمال الأخيرة إلى تغيير السلطة والمجتمع، بل اعتمد تأكيد الذات الفاعلة وكيفية بناء الفرد لذاته
كانت ثيمات سعد الله ونوس الثلاث دائما ومنذ البداية حتى النهاية المفتوحة مع كل قراءة جديدة لأي عمل من أعماله، هيَ: السلطة والفساد والقمع، والتدين الزائف والفساد والقمع، والمرأة.
نحن نعود الآن إلى أواخر الستينات، إلى المرحلة الأولى الجلية التي تجلت فيها ريادة مشروعه المسرحي في أعمال كثيرة منها "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران". تلقى ونوس هزيمة يونيو/حزيران كطعنة شخصية له كما أبناء جيله حينها: "أعتقد أن إسرائيل سرقت السنوات الجميلة من عمري، وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاما الكثير من الفرح". كما قال في فيلم عمر أميرالاي الذي أخرجه في عام الرحيل.
أتاح له وجوده في باريس لدراسة المسرح، المشاركة في أحداث ثورة 68 الطلابية التي طرحت رؤى عالمية جديدة، وأتاحت له الخروج من هزيمة يونيو. كانت فترة نهوض ثقافي إبداعي جمالي. وقد حاول في "حفلة سمر" أن يدرس مكامن الخلل التي أودت إلى الهزيمة في رؤية جريئة للواقع.
بعد عودته من باريس حاول أن يقود حركة تجديد فكري، اشتغل مع المخرج فواز الساجر في تأسيس المسرح التجريبي، واستخدم مصطلح "مسرح التسييس" كمقترح ضروري للبحث عن التفاعل بين الجمهور والخشبة، كان مسرح بريخت الملحمي يترك بصماته والكثير من القيم الجمالية الجديدة تمور في عالم الفن في مواجهة المسرح السياسي. أراد تغيير السلطة وعلاقة المثقف بالسلطة، وخلق حالة وعي جديدة لصالح المجتمع. في هذه المرحلة برزت أعمال مسرحية كثيرة له، لكن "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" كانت جوهرة مشروع "مسرح التسييس" الذي سعى إلى تحويل المسرح إلى مساحة للنقاش السياسي والاجتماعي، رافعا شعار البحث عن الحقيقة في وجه الأكاذيب الرسمية. وحالماً بأن يخرج الجمهور من الصالة إلى الثورة. لكن المسرحية منعت من العرض لسنوات.
أعلن فيما بعد، فشل التجارب السابقة في تغيير السلطة والمجتمع. وامتد صمته بعد مؤتمر السلام مع إسرائيل عشرة أعوام. وكان منسوب المياه في بردى شحيحا شحيحا. ومع حصار بيروت وغزوها صار الحلم أشبه بالضباب، تحول اهتمامه من القضايا العامة إلى مصير الفرد.
عاد من صمته في المرحلة التي سأعتبرها الثانية، مع مسرحية "الاغتصاب" (1989) التي بحثت في تحليل بنية النخبة الحاكمة في إسرائيل. ووضعَ في آخر المسرحية، حوارا محتملا بين الكاتب نفسه والطبيب النفسي منوحيم الذي كان يردد طوال المسرحية مقتطفات من سفر إرميا مستنزلا اللعنات على السياسة العدوانية التي تمارسها النخبة الحاكمة في إسرائيل والتي لا تودي بعدوانيتها على الفلسطيني فقط، وإنما إلى تدمير الإنسان اليهودي أيضا. أراد في هذا الحوار المحتمل خلخلة استقرار الكراهية كما قال.
مع حصار بيروت وغزوها صار الحلم أشبه بالضباب، تحول اهتمامه من القضايا العامة إلى مصير الفرد
ألقى ونوس رسالة يوم المسرح العالمي قبيل رحيله بعام واحد. واختار لها عنوانا يختزل كل الرؤيا: الجوع إلى الحوار. كان منسوب الماء في بردى يتأرجح بين الشح والوفرة. لأننا محكومون بالأمل. ولأن هناكَ أشياء كثيرة يمكن أن يتحدث عنها المرء، كإلقاء التحية على بيت أصدقائي، على أسرة سعد الله ونوس الصغيرة في هذا اليوم من كل عام كطقس من طقوس الصداقة التي تجمعنا. وإعادة قراءة ما يشاء المرء ليكتشف دائما وكأنها القراءة الأولى.