في معرض تعليقاته شبه اليومية بشأن الحرب على إيران، لم يتوانَ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من مرة على التذكير بفكرة مفادها "هذه الحرب مستمرة منذ 47 عاماً"، قاصداً أن المواجهة الراهنة بين بلاده وحلفائها مع النظام الإيراني هي مواجهة جذرية، ممتدة منذ اللحظة التأسيسية لهذا النظام عام 1979. ترمب وإن كان يبتغي خلق أنواع من الشرعية والزخم لهذه الحرب عبر هذه التصريحات، لكنه بمعنى ما يقصد أن الجذر التكويني للجهة الحاكمة لإيران مختلفة/مضادة للعالم الحديث ومساراته بالجوهر، وهي قضية لا يعوزها الكثير من الدقة.
فمنظومة الحكم السياسية والأيديولوجية والخطابية لإيران اليوم لم تتشكل حسب خيارات وشروط داخلية فحسب، وفي عزلة عما حولها، بل ضمن سياق عالمي كلي، شديد القسوة وكلي القدرة على صناعة العالم حينها. كان يتمثل وقتئذ بصعود الاستقطاب بين المعسكرين السياسيين الدوليين، الكتلة الاشتراكية ونظيرتها الغربية، لأقصى درجاته، وحيث كان العالم الإسلامي بمثابة مركز جوهري لصراع عنيف بينهما. لذلك السبب، نزعت الكتلتان نحو تشييد ودعم وقبول نوعية من الأنظمة والأحداث والمناخات المفرطة في حدتها وجنوحها نحو الجذرية. النظام الإيراني الحالي هو واحد من آخر آثارها.
فهذا النظام الإيراني، بنوعية "نخبه" الحاكمة واستراتيجياتهم وسلوكياتهم وخطاباتهم ووعيهم للعالم، ما كان له أن يُشيد ويستمر منذ لحظة انبلاجه، لولا ما حظي به من قبول ورضا من الكتلة الغربية، التي كانت مُخيرة بينه وبين مؤيدي الاتحاد السوفياتي من التنظيمات اليسارية الإيرانية، مع ترنح نظام الشاه وقتئذ، فنزعت له، وإن من موقع القبول بـ"الأقل سوءا".
ما يصح بحق النظام الإيراني، يمكن طرحه بشأن الكثير من الأحداث والتحولات التي جرت في منطقتنا في ذلك الحين، كان القاسم المشترك الرئيس بينها هو انبعاثها من شرط الصراع القطبي بين الكتلتين العالميتين، وشغلها لمكانة ودور "الأداة" في صراع الجبابرة ذاك، وتالياً تشكيلها لمساحات واسعة من التطرف والعنف، لكونها تأتت بمجموعها حسب شروط القوى الخارجية بالغة القسوة والقطبية، وما تركت للظروف والمناخات المحلية والوطنية أن يكون لها تأثير ودور، فكونت فضاءات من "الاستثناء".
فبناء النظام الإيراني تواكب مع صعود صدام حسين في العراق، الذي ما إن وصل لسُدة الحكم عبر "انقلاب أبيض" في سنة 1979، حتى سحق الحساسيتين السياسيتين/الاجتماعيتين الأكثر ثراء في التنوع العراقي، "الحزب الشيوعي العراقي" وكل قواعده الاجتماعية، ومثله "الحركة التحررية الكردية"، وأسس آلة الرعب الصدامية الكبرى في عموم البلاد، التي ما وفرت شيئاً من اللامعقول إلا وفعلته.
سوء قدرة النظام الإيراني على الجنوح نحو حلول وسطى وتوافقية مع العالم الخارجي سببه الهوية الحادة للنظام الإيراني، المطابقة لهوية الأنظمة القطبية التي تشكلت في ذلك الزمن "القاسي"
في العام نفسه غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان، ما أطلق صعوداً استثنائياً للحركات الجهادية العابرة للحدود، ومنح أيديولوجياتها وخطاباتها المتطرفة الكثير من "المقبولية" لدى طبقات واسعة من المجتمعات المحلية. كما كان العام الذي وقّعت فيه مصر "اتفاقية كامب ديفيد"، بكل ما أثارته من شقاق في العالم العربي، وصعود للمتطرفين المحليين في مصر، الدولة المركزية في المنطقة، كان الرئيس السادات أحد ضحاياهم. في سوريا اندلعت أولى وأعتى حرب أهلية/طائفية في تاريخها الحديث، وبسببها تأسس الحُكم الأسدي كآلة رعب لكل ما يحيط به من دول وما في داخله من حساسيات سياسية. وفي العام التالي وقع انقلاب عسكري في تركيا غير بعيد عن سوريا والعراق وإيران.
الفارق الوحيد بين إيران ومختلف التجارب في البلدان الأخرى، كامن في أنها جميعاً تمكنت من تفكيك عُقدها التأسيسية تلك، وإن بنسبٍ وحسب سياقات مختلفة عن بعضها، وبقيت إيران وحيدة على ما كانت عليه. فالصدامية والأسدية سقطتا، وإن بفوارق زمنية وحسب شروط مختلفة، وتمكنت التجارب السياسية المتلاحقة في تركيا من النحت في صخرة الانقلابيين العسكريين، فيما وضعت مصر حداً واضحاً للحركات المتطرفة، وتلاشى الصراع بين القطبين العالميين، ولم تعد الأيديولوجيات والتنظيمات العابرة للحدود مغرية لأحد، لكن النظام الإيراني بقي مع كل ذلك المكان نفسه، دون مبالاة بما تغير طوال هذه العقود.
حسب ذلك، يُمكن إدراك الكثير من التفاصيل الخاصة بما يجري في إيران راهناً. فهذا الفالق الكبير بين النظام الذي بقي كما كان لحظة ولادته والمجتمع الإيراني كثيف التحول منذ ذلك الحين، متأت من ذلك. وسوء قدرة هذا النظام على الجنوح نحو حلول وسطى وتوافقية مع العالم الخارجي سببه الهوية الحادة للنظام الإيراني، المطابقة لهوية الأنظمة القطبية التي تشكلت في ذلك الزمن "القاسي". أما جنوحه المستدام للعنف والتدخل في شؤون البلدان الأخرى والصراخ الأيديولوجي وتشييد ورعاية جماعات مسلحة تتصرف خارج بنيان الدول التي لها نفوذ فيها، فهو وفاء الشجرة للتربة الأولى التي نبتت فيها، حين كانت بذرة.