سوق الأضاحي في مصر... الدولار وباب المندب يحاصران موائد العيد

التضخم وفاتورة الاستيراد والتوترات الجيوسياسية تدفع أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية وتعمّق أزمة الأمن الغذائي في مصر

لينا جرادات
لينا جرادات

سوق الأضاحي في مصر... الدولار وباب المندب يحاصران موائد العيد

مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو أسواق الماشية في مصر أقل ازدحاما من المعتاد، بعدما تحولت الأضحية بالنسبة إلى كثير من الأسر من شعيرة موسمية معتادة إلى عبء اقتصادي ثقيل. فارتفاع أسعار المواشي الحية والمذبوحة، بالتزامن مع التضخم وتقلبات سعر الصرف والتوترات الجيوسياسية، يدفع شريحة واسعة من المصريين إلى تقليص مشترياتهم أو الاتجاه إلى الاشتراك الجماعي في الأضاحي، بينما باتت بعض الأسر تكتفي بالبحث عن بدائل أقل تكلفة.

لا ترتبط الأزمة الحالية فقط بموسم العيد، بل تعكس اختلالات أعمق في الاقتصاد المصري، تتعلق بالاعتماد الكبير على الاستيراد، وضعف الاكتفاء الذاتي، وارتفاع تكلفة الأعلاف، فضلا عن أثر اضطراب سلاسل الإمداد العالمية والتوترات الإقليمية في تكاليف النقل والشحن. ذلك كله يؤدي إلى قفزات متتالية في أسعار اللحوم، في وقت تعاني فيه القوة الشرائية للمواطنين من تراجع واضح.

من يشعل أسعار أضاحي العيد؟

على الرغم من محاولات الدولة التدخل عبر المنافذ الحكومية والجمعيات الاستهلاكية والشوادر التي تتيح شراء الأضاحي بالتقسيط، لا تزال السوق المصرية مرتبطة بتقلبات سعر الدولار والضغوط التضخمية التي تنعكس مباشرة على أسعار النقل واللحوم المستوردة ومدخلات الإنتاج، وفي مقدمها الأعلاف. تشير بيانات التجارة الخارجية إلى أن واردات مصر من السلع الغذائية الحيوانية بلغت نحو 1.1 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، من الواردات الإجمالية وصلت إلى 84.4 مليار دولار، مما يوضح مدى اعتماد السوق المحلية على الخارج في هذا القطاع الحيوي.

جذور الأزمة تعود إلى الفجوة المستمرة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد، في ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق من اللحوم والأعلاف 

يدفع هذا الواقع في اتجاه تحول اجتماعي واضح في أنماط استهلاك اللحوم، إذ بات وجودها على موائد عدد أكبر من المصريين أكثر محدودية، مع اتساع الفجوة بين الفئات المرتفعة الدخل والأسر المحدودة الدخل، وبين المناطق الحضرية والريفية.

ويرى محللون أن جذور الأزمة تعود إلى الفجوة المستمرة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد، في ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق من اللحوم والأعلاف. ويضيف الخبراء أن الثروة الحيوانية في مصر تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الرعاية البيطرية، وضعف السلالات المنتجة، فيما تعتمد صناعة الأعلاف في صورة شبه كاملة على استيراد الذرة وفول الصويا، مما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو تقلب في سعر الصرف ينعكس فورا على أسعار الماشية. كذلك، لا تزال مصر تستورد ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف سنويا.

رويترز
طفل مصري يقوم بإطعام الخراف في القاهرة، 3 يونيو 2025

ويبرز تناقض لافت في السوق، إذ أصبحت بعض الأضاحي المستوردة التي تطرحها الجمعيات الخيرية أقل سعرا من الأضاحي المحلية، في مؤشر إلى حجم الأزمة التي تعانيها صناعة الأعلاف المحلية، خصوصا أن مصر لا تمتلك مراعي طبيعية واسعة تخفف تكلفة التربية والإنتاج. كذلك تراجعت التبرعات الموسمية المرتبطة بالأضاحي بسبب ضعف القوة الشرائية، في تطور يظهر بوضوح في انتشار الإعلانات التي تروج لشراء الأضاحي بالتقسيط. وحسب وزارة الأوقاف، تبلغ قيمة صك اللحوم المستوردة 7,000 جنيه (نحو 131 دولارا)، وصك اللحوم البلدية 9,500 جنيه (نحو 178 دولارا)، ويمكن دفع قيمة الصك على تطبيق مصر الرقمية، بالتقسيط على 6 أشهر. وبرز جانب التوسع الكبير لشركات التمويل الاستهلاكي في هذا المجال.

لماذا تتكرر أزمات اللحوم والأضاحي في مصر؟

يرى خبراء اقتصاد تحدثوا إلى "المجلة" أن الأزمة تكشف أيضا خللا في أولويات الإنفاق الحكومي، ففي حين توجه استثمارات ضخمة إلى مشاريع بعيدة الأجل في مجال البنية التحتية. في المقابل، يعاني قطاعا الزراعة والإنتاج الحيواني من نقص الدعم المباشر والتمويل الميسر لصغار المربين، فضلا عن غياب التوسع الحقيقي في زراعة المحاصيل العلفية. ذلك كله يضع الأمن الغذائي المصري رهينة تقلبات العملة الصعبة وقرارات الموردين الأجانب.

في هذا الإطار، قالت النائبة الدكتورة سميرة الجزار، في مقابلة مع "المجلة"، إن الأزمة الحالية تكشف "ضعفا في الاستباقية الحكومية للتعامل مع المتغيرات والاضطرابات الإقليمية"، مشيرة إلى أن واردات المواشي الحية "تأثرت مباشرة بالأوضاع في بلدان الجوار، ولا سيما السودان الذي يمثل أحد المصادر الأساس للحوم الاقتصادية"، وأضافت أن السياسة الحكومية تفتقر إلى "غرف إدارة أزمات قادرة على وضع سيناريوهات بديلة قبل وقوع الأزمات، إذ يعتمد غالبا على حلول مؤقتة مثل الشوادر الحكومية التي لا تغطي سوى نسبة محدودة من الطلب الفعلي، بدلا من بناء مخزون استراتيجي مستدام".

افتتاح مصر مشروع "الدلتا الجديدة" غرب دلتا النيل في خطوة تستهدف توسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي، عبر إضافة نحو 9,200 كيلومتر مربع

وأكدت الجزار أن أزمة اللحوم ترتبط أيضا بتراجع الثروة الزراعية، موضحة أن زحف العمران على الأراضي الزراعية وتفتت الحيازات الزراعية "صعّبا إقامة مشاريع إنتاج حيواني متكاملة. كما أن غياب منظومة جادة للزراعة التعاقدية للأعلاف دفع كثرا من الفلاحين إلى العزوف عن تربية الماشية والتحول من منتجين إلى مستهلكين، مما زاد الضغط على السوق وأضعف التوازن الاجتماعي".

تجدر الإشارة إلى افتتاح مصر مشروع "الدلتا الجديدة" غرب دلتا النيل في خطوة تستهدف توسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي، عبر إضافة نحو 2.2 مليون فدان جديدة (نحو 9,200 كيلومتر مربع)، ما يعادل نحو 15 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر، بتكلفة بلغت نحو 15 مليار دولار. ويعد المشروع، الذي يعتمد على استصلاح الأراضي الصحراوية، أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي التي تنفذها مصر خلال السنوات الأخيرة.

ما علاقة باب المندب بارتفاع أسعار الأضاحي واللحوم؟

لا تنفصل الأزمة عن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، خصوصا في البحر الأحمر وباب المندب. فاضطراب مسارات الشحن يدفع شركات النقل إلى استخدام طرق بحرية أطول، مثل الالتفاف حول أفريقيا. يضاعف هذا المسار زمن الرحلات ويرفع تكاليف النقل والتأمين، لينتقل هذا التضخم تدريجيا من المستورد إلى التاجر ثم إلى المستهلك. كذلك، يدفع مناخ عدم اليقين بعض التجار إلى تبني سياسات تسعير مرتفع تحوطية، لتجتمع زيادة التكلفة الحقيقية مع مبالغات نسبية في الأسعار، في وقت يشهد فيه الطلب تراجعا ملحوظا.

أ.ف.ب.
بائع مصري يحصي إيرادات بيع المواشي خلال عيد الأضحى، في المنوفية 15 أغسطس 2018

وقال الخبير الاقتصادي محمد أنيس لـ"المجلة" "إن أحدا لا يستطيع تجاهل أهمية باب المندب في ضوء التهديدات بإغلاقه إذا دفعت إيران جماعة 'الحوثي' نحو هذا الخيار"، مؤكدا أن المرور عبر رأس الرجاء الصالح وجبل طارق سيرفع التكلفة في صورة كبيرة.

وأضاف أن "السوق المصرية لا تحتمل زيادة كهذه"، معتبرا أن عدم الاستيراد أو الاتجاه إلى الاستيراد البري قد يكونان خيارين أقل تكلفة. وأوضح أن مصر "تستورد بالفعل مواشي حية ومذبوحة ولحوماً حمراء من السودان وتشاد عبر الطرق البرية"، مشيرا إلى أن أي إغلاق لباب المندب "سيجعل الممرات البرية البديل الوحيد المتاح". كذلك توقع انخفاض عدد الأضاحي في هذا العام قياسا بعدد السكان بسبب ارتفاع الدولار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

أكثر من 20 صنفا من اللحوم تتوافر في السوق المصرية بحسب القوة الشرائية للمستهلك

مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين في غرفة القاهرة التجارية

من جهته، قال رئيس "جمعية مواطنون ضد الغلاء" محمود العسقلاني، في مقابلة مع "المجلة"، إن الأزمة الحقيقية تبدأ "عندما تنهار قيمة العدالة، ويشعر المنتج بغياب العقوبات الرادعة ضد الاحتكار والتلاعب بالأسعار"، وأوضح أن السوق تعاني حاليا من "ركود تضخمي" مع ارتفاعات كبيرة في الأسعار، متوقعا انخفاض الأسعار قبل العيد بأيام قليلة نتيجة تراجع الإقبال واتجاه مزيد من الأسر إلى الاشتراك في أضحية واحدة بسبب الضغوط الاقتصادية.

وأشار إلى أن سعر الكيلوغرام القائم (كيلوغرام الماشية قبل الذبح) ارتفع من نحو 170 جنيها (3.2 دولارات) قبل الحرب إلى 230 جنيها (4.4 دولارات) حاليا.

هل تنجح مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم؟

رأى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور خالد شافعي في حديث إلى "المجلة" أن السوق "تشهد حالة واضحة من الإحجام عن الشراء"، داعيا إلى وضع خريطة واضحة لاستيراد اللحوم سواء عبر الحكومة أو القطاع الخاص. وطالب بإطلاق حلول عاجلة لتنمية الثروة الحيوانية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، من خلال دعم توفره المصارف العاملة في مصر والبنك الزراعي لمبادرات تشجع المواطنين على تربية العجول وزيادة الإنتاج المحلي. كذلك حض على "تسهيل إصدار تراخيص مشاريع الثروة الحيوانية والتوصل إلى حلول مع المربين وأصحاب المزارع، بما يضمن تلبية احتياجات السوق في صورة عادلة ويحد من الاحتكار".

رويترز
السوق المركزي للمواشي في محافظة القلوبية، مصر 2 يونيو 2025

وفي المقابل، اعتبر مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين في غرفة القاهرة التجارية، أن الزيادات الحالية في الأسعار "طفيفة" ولا تتجاوز ثلاثة في المئة، مؤكدا في حديث إلى "المجلة" "أن المعروض من العجول الحية يفوق مستويات الطلب"، وهو ما اعتبره "دليلا على استقرار السوق".

وأشار إلى وجود أكثر من 20 صنفا من اللحوم في السوق المصرية بما يتناسب مع القوة الشرائية للمستهلك، بينها اللحوم السودانية والجيبوتية المتوافرة بسعر 350 جنيها (6.6 دولارات) للكيلوغرام في المجمعات الاستهلاكية، فيما تبدأ أسعار العجول الحية المحلية من 190 جنيها (3.6 دولارات) للكيلوغرام القائم. وأوضح أن جهود وزارة الزراعة والطب البيطري في تحصين المواشي هذا العام "أسهمت في تقليص النفوق والخسائر"، متوقعا انخفاض الأسعار قبل العيد "مع وفرة المعروض وتنوع مصادر الإنتاج"، مشيرا إلى أن أسعار اللحم البقري البلدي لدى الجزارين تتراوح بين 450 و600 جنيه (8.5-11.4 دولارا) للكيلوغرام "بحسب الجودة".

تستورد  مصر أكثر من نصف احتياجاتها من اللحوم، ولذلك ينعكس ارتفاع الدولار وتكاليف الشحن والطاقة مباشرة على الأسعار المحلية

محمد عبد العال، خبير مالي

بدوره، قال الخبير المالي محمد عبد العال لـ"المجلة" إن مصر "تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من اللحوم، ولذلك ينعكس ارتفاع الدولار وتكاليف الشحن والطاقة مباشرة على الأسعار المحلية"، مضيفا أن التوترات الجيوسياسية العالمية تؤدي إلى "تضخم مباشر في سوق الأضاحي". وأوضح أن الأعلاف والأدوية البيطرية المستوردة "تمثل المحرك الرئيس للتكلفة، فيما ضاعفت تكاليف النقل والطاقة الضغوط السعرية على السوق".

رويترز
مصري يحمل خاروفا وسط السوق المركزي في محافظة القلوبية، 10 يونيو 2024

وأشار عبد العال إلى وجود "استغلال جزئي" من بعض الجزارين، لكنه شدد على أن الجزء الأكبر من الزيادة يمثل "تكلفة حقيقية"، لافتا إلى أن الجزار نفسه يعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل والشراء. وأضاف "أن الطلب تراجع هذه السنة بسبب الغلاء، لكنه لم ينهَر بالكامل، لأن الأضحية ترتبط ببعد ديني واجتماعي يدفع المستهلكين إلى التكيف عبر شراء أضاحٍ أصغر حجما أو الاشتراك الجماعي أو البحث عن بدائل أقل تكلفة".

وتكشف الأرقام، بحسب عبد العال، "عن فجوة هيكلية واضحة بين الإنتاج المحلي الذي يبلغ نحو 600 ألف طن، والاستهلاك الذي يقترب من 900 ألف طن، مما يفرض سد الفجوة عبر الاستيراد".

وتُقدَّر قيمة اللحوم المستوردة بنحو 1.5 مليار دولار، وهو ما يفسر الارتباط الوثيق بين أسعار اللحوم في مصر وسعر الدولار. ويجمع الخبراء على أن مواجهة أزمة غلاء الأضاحي لا تبدأ فقط بمراقبة الأسواق خلال موسم العيد، بل بإعادة صزغ أولويات الإنفاق العام، وتوجيه الدعم إلى الإنتاج الزراعي والحيواني باعتباره قضية أمن قومي، والانتقال من سياسة "سد الفجوة بالاستيراد" إلى مفهوم "السيادة الغذائية" وتوطين الإنتاج المحلي.

font change