لم تعد المسألة الفلسطينية تقف عند حدود فشل حل الدولتين، ولا عند حدود موت "أوسلو"، ولا حتى عند حدود يمين إسرائيلي متطرف، لا يخفي أطماعه في الضفة الغربية، بل صارت المسألة الأشد خطورة هي سؤال الفراغ الفلسطيني نفسه، من بقي في الجانب الفلسطيني الرسمي كي يحمي الفكرة الفلسطينية من السقوط النهائي.
في سبتمبر/أيلول 2018، بدا السؤال الأردني عن الكونفدرالية، كأنه رد على فكرة عابرة في بازار سياسي قديم، يومها واجه الملك عبدالله الثاني الفكرة بسخرية سياسية حاسمة، وقال إن الأردن يسمع كل عام عن الكونفدرالية، وإن جوابه هو: "كونفدرالية مع مين؟"، وكان السياق واضحا، حديث منسوب إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عن طرح أميركي لكونفدرالية فلسطينية-أردنية، ورد أردني حاسم يعتبر الأمر خطا أحمر، ويتمسك بحل الدولتين والدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن الزمن السياسي لا ينتظر أحدا، وما كان عام 2018 سؤالا عن شكل العلاقة الأردنية-الفلسطينية في ظل سقوط "أوسلو"، صار اليوم سؤالا أشد قسوة عن أصل التمثيل الفلسطيني نفسه، لا عن الكونفدرالية ولا عن الفيدرالية، ولا عن أي هندسة دستورية مفترضة أو متوهمة، بل عن سلطة فلسطينية انتهت صلاحيتها، و"منظمة تحرير" تآكل معناها، وحتى "حركة فتح" التي لم تعد تعرف هل هي حركة تحرر وطني، أم إطار إداري لترتيب خلافة رجل طاعن في العمر.
نحن أمام مشهد يحتاج إلى تفكيك هادئ وصريح، فحل الدولتين لم يسقط في يوم واحد، ولم يقتله تصريح إسرائيلي واحد، بل مات بالتقسيط، مات مع كل مستوطنة جديدة، ومع كل طريق التفافي، ومع كل مصادرة أرض، ومع كل حكومة إسرائيلية، وجدت في ضعف السلطة الفلسطينية فرصة لاختبار حدود الوقاحة السياسية، ومات أيضا لأن الطرف الفلسطيني الرسمي الذي يفترض أن يحمله، تحول مع الوقت إلى جهاز بقاء، لا إلى مشروع دولة.
السلطة الفلسطينية التي جاءت إلى رام الله على وعد الدولة، استقرت هناك على وظيفة الإدارة
السلطة الفلسطينية التي جاءت إلى رام الله على وعد الدولة، استقرت هناك على وظيفة الإدارة، تدير بعض السكان لا الأرض، وتدير الرواتب حين يتوفر المال، وتدير التنسيق حين يطلب منها الأمن، وتدير الغضب حين ينفجر الشارع، لكنها لا تدير مشروعا وطنيا حقيقيا، ولا تملك قدرة القرار، ولا جرأة المراجعة، ولا شرعية الانتخابات، ولا حتى خيال الخروج من المأزق.
وهنا يصبح الحديث عن الخلافة داخل السلطة الفلسطينية كاشفا أكثر مما هو مطمئن، فحين يقوم محمود عباس بتعيين حسين الشيخ في موقع نائب رئيس "منظمة التحرير"، ثم يجري تثبيت ترتيبات تجعله بديلا مؤقتا في حال شغور المنصب، فإننا لا نكون أمام انتقال ديمقراطي للقيادة، بل أمام هندسة داخل غرفة مغلقة، وحين يظهر ياسر محمود عباس في اللجنة المركزية لـحركة "فتح"، بعد عمر سياسي قضاه خارج معنى النضال الحزبي والفصائلي المباشر، فإن الرسالة تتجاوز الاسم نفسه، وتذهب إلى شبهة تحويل القضية إلى إرث عائلي، داخل سلطة لم تعد قادرة على توريث سوى أزمتها.
ليست المشكلة في ياسر عباس كشخص، ولا في حسين الشيخ كشخص، ولا حتى في ماجد فرج أو غيره من أسماء الدائرة الضيقة، فالمشكلة أن السؤال الفلسطيني الكبير صار محصورا بين رجل أمن، ورجل تنسيق، وابن رئيس، ورجال حاشية، بينما الشعب الفلسطيني نفسه خارج معادلة الاختيار، كأنه جمهور يشاهد جنازة مشروعه الوطني من بعيد.
"منظمة التحرير" التي كانت يوما بيتا سياسيا لفلسطينيي الداخل والخارج، تحولت إلى ختم شرعي قديم تستخدمه السلطة حين تحتاج إلى غطاء، والسلطة التي كان يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو الدولة، تحولت إلى إقامة دائمة في المؤقت، و"فتح" التي كانت عمود الحركة الوطنية الفلسطينية، صارت تبدو كأنها تبحث عن طريقة لتأمين البيت الداخلي أكثر مما تبحث عن طريقة لاستعادة الشعب.
في المقابل، لا يقف الفراغ الفلسطيني في الهواء، بل يقف أمام يمين إسرائيلي يعرف تماما ماذا يريد، حكومة إسرائيلية متطرفة وفاشية في لغتها وممارستها، لا تخفي رغبتها في فرض السيادة على الضفة، ولا تخجل من تحويل الاستيطان إلى سياسة دولة، ولا ترى في السلطة الفلسطينية شريكا سياسيا، بل مقاول إدارة سكانية، يمكن إضعافه ماليا وسياسيا كلما لزم الأمر، مع الإبقاء عليه حيا بالقدر الذي يخدم الأمن الإسرائيلي.
وهنا تبلغ المأساة ذروتها، إسرائيل تريد الأرض بلا دولة فلسطينية، والسلطة تريد البقاء بلا مشروع فلسطيني، والعالم يريد إدارة الأزمة بلا حل فلسطيني، والعرب يريدون أن لا تنفجر القضية في وجوههم مرة أخرى، أما الفلسطيني العادي، فيريد كرامة وأرضا وحرية وقيادة لا تبدو كأنها خرجت من أرشيف التسعينات.
لقد أثبتت السنوات منذ 2018 حتى اليوم أن "أوسلو" لم تكن اتفاقا ناقصا فقط، بل كانت أيضا زمنا كاملا من الوهم، منحت إسرائيل وقتا كافيا لتغيير الجغرافيا، ومنحت السلطة الفلسطينية، وقتا كافيا لتشيخ داخل مكاتبها، ومنحت العالم ذريعة ليقول إن هناك عملية سياسية، بينما العملية نفسها كانت تتحول إلى مقبرة للفكرة التي قامت عليها.
لم يعد مفيدا تكرار أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد. السؤال الحقيقي هو من يحمي هذا الحل، ومن يملأه بمضمون سياسي، ومن يقاوم موته البطيء؟
لم يعد مفيدا تكرار أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد، فهذه العبارة صارت مثل أثاث دبلوماسي قديم، يقال في المؤتمرات ولا يغير شيئا على الأرض، السؤال الحقيقي هو من يحمي هذا الحل، ومن يملأه بمضمون سياسي، ومن يقاوم موته البطيء؟ فإذا كانت إسرائيل تدفنه بالاستيطان، والسلطة الفلسطينية تدفنه بالعجز، فإن الحديث عنه يصبح نوعا من الرثاء لا السياسة.
المعضلة الفلسطينية اليوم ليست في غياب الحق، فالحق واضح، وليست في ضعف الذاكرة، فالذاكرة دامية وحاضرة، وليست في نقص التضحيات، فالتضحيات أكثر من قدرة اللغة على الاحتمال، المعضلة في أن القيادة التي يفترض أن تحول الحق إلى سياسة، والذاكرة إلى مشروع، والتضحيات إلى مكسب، صارت عبئا على الفكرة التي جاءت لتمثيلها.
لهذا، فإن الضفة الغربية اليوم تقف في أخطر لحظة منذ عقود، لا لأنها تحت الاحتلال فقط، فهي تحت الاحتلال منذ 1967، بل لأنها تواجه احتلالا أكثر صراحة في نواياه، وسلطة أقل قدرة على مواجهته، ومنظمة أقل تمثيلا لشعبها، ومجتمعا دوليا أكثر استعدادا للتعايش مع موت الفكرة الفلسطينية طالما أن الانفجار مؤجل.
والأردن هنا لا يستطيع أن يتعامل مع الضفة الغربية، كأنها ملف فلسطيني داخلي صرف، ولا كأن ما يجري هناك شأن يمكن مراقبته من بعيد، فتلك الضفة كانت ضفته الغربية قبل الاحتلال، وعلى وجود الضفتين قام دستور عام 1952 الذي لا يزال عاملا حتى اليوم، وهذا المعنى العميق يضع قرار مجلس الأمن 242، الذي نسيه الجميع أو تظاهروا بنسيانه، في موضع التفعيل السياسي والقانوني عند الحاجة، لا بوصفه ورقة من زمن دولي قديم، بل بوصفه قاعدة تقول إن هناك أرضا احتلت في حرب، وإن الاحتلال لا يصنع حقا، وإن الفراغ الفلسطيني لا يلغي حق الأردن في أن يكون حاضرا حين تتحول الضفة إلى ملف مفتوح على الضم أو الفوضى أو الترتيبات الناقصة، فالضفة بالنسبة إلى الأردن هي مجاله الحيوي الأشد حساسية، ديموغرافيا وجغرافيا وأمنيا، وأي مشروع إسرائيلي لابتلاعها، أو أي فراغ فلسطيني يسمح بابتلاعها، هو في النهاية مسألة أردنية بقدر ما هو مسألة فلسطينية.
الطبيعة لا تحب الفراغ، وكذلك العلاقات الدولية، وكذلك الاحتلال، فإذا لم يملأ الفلسطينيون فراغهم بقيادة شرعية جديدة، ومؤسسات منتخبة، ومشروع وطني جامع، فسيملأه اليمين الإسرائيلي بالضم، وتملأه الأجهزة بالسيطرة، وتملأه العائلات السياسية بالتوريث، وستملأه الفوضى حين لا يبقى في يد الناس إلا الغضب.
لم تعد القضية الفلسطينية بحاجة إلى خطاب جديد عن الثوابت، بل إلى تحرير الثوابت نفسها من سلطة استهلكتها
في الخلاصة، لم تعد القضية الفلسطينية بحاجة إلى خطاب جديد عن الثوابت، بل إلى تحرير الثوابت نفسها من سلطة استهلكتها، ولم تعد بحاجة إلى "منظمة تحرير" تحمل الاسم وحده، بل إلى بيت وطني يستعيد المعنى، ولم تعد بحاجة إلى رئيس يختار من يخلفه، بل إلى شعب يختار من يمثله.
أخطر ما في اللحظة ليس أن إسرائيل لا تريد دولة فلسطينية، فهذا بات معلنا ومفهوما، بل أن الجانب الفلسطيني الرسمي يبدو كأنه لم يعد يملك القدرة على الدفاع عن الدولة التي يتحدث باسمها، وأخطر ما في موت حل الدولتين ليس أن العدو يقتله، بل أن من يفترض بهم حمايته صاروا منشغلين بتوزيع مفاتيح البيت بعد أن فرغ البيت من سكانه.
والسؤال اليوم لم يعد "كونفدرالية مع مين؟"، فذلك سؤال قاله الملك عبدالله الثاني في سياقه ومضى، السؤال اليوم أبسط وأقسى، مفاده: من بقي في السلطة الفلسطينية كي يقول إن فلسطين ليست وظيفة، وليست راتبا، وليست خلافة، وليست ميراثا عائليا، بل قضية شعب لا يجوز أن تنتهي في ممر ضيق بين مكتب الرئيس ومكتب الوريث؟