في الأردن... ما تباطأ هو التسارع لا الدولة

لا تقف عمان عند لحظة أزمة ولا تعيش لحظة انتصار بل تقف عند لحظة انتقال

شوترستوك
شوترستوك
صورة بانورامية لمنطقة القصور في عمّان عند غروب الشمس

في الأردن... ما تباطأ هو التسارع لا الدولة

في تاريخ الدول، لا تأتي اللحظات الفاصلة دائما على هيئة انتصارات صاخبة أو أزمات معلنة، بل قد تحضر على شكل تباطؤ صامت، أو في صورة أرقام تتحرك ببطء، أو تتلبس في شعور عام بأن الأمور لم تتقدم بالسرعة التي كان الناس يأملونها، وهذه اللحظات لا تعني بالضرورة الفشل، لكنها تعني أن الدولة دخلت مرحلة جديدة، مرحلة يصبح فيها الزمن نفسه عاملا في السياسة، لا مجرد إطار للأحداث.

وهكذا يمكن قراءة استطلاع الرأي العام الذي صدر بعد عام ونصف العام على تشكيل الحكومة الأردنية الحالية، لأن الاستطلاع في ظاهره مجموعة أرقام عن الثقة وتقييم الأداء، لكنه في جوهره انعكاس لمرحلة استثنائية مرت بها الدولة، مرحلة لم تُختبر فيها هذه الحكومة في ظروف عادية، بل في بيئة إقليمية مضطربة، وفي سياق حرب مفتوحة على احتمالات غير محسوبة النتائج، وفي اقتصاد عالمي يعاني من ارتدادات الصراع.

القراءة السريعة للأرقام قد توحي بتراجع في المزاج العام، وربما بتباطؤ في التفاؤل، لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف صورة أكثر توازنا، لأن الأرقام نفسها تقول إن الثقة لم تتعرض للانهيار، بل تغيّر معيارها. فبعد عام ونصف العام على تشكيل هذه الحكومة برئاسة الدكتور جعفر حسان، ما زال نحو ثلثي الأردنيين تقريبا يعتقدون أنها قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، وما زال مستوى الثقة برئيس الوزراء أعلى من مستوى الثقة بالفريق الوزاري، وهو نمط يتكرر في معظم الحكومات، ويعكس طبيعة التقييم الشعبي الذي يحمّل رئيس الفريق التنفيذي المسؤولية المباشرة، لكنه لا يذهب إلى حد سحب الثقة منه.

المواطن، بطبيعته، لا يقيس الأداء بمعدلات النمو وحدها، بل بقدرته على العيش، وهذا أمر مفهوم، لأن الاقتصاد، في النهاية، ليس رقما في تقرير، بل واقع في حياة الناس

الأهم من ذلك أن اتجاه الأمور في البلاد، وفق نتائج الاستطلاع الذي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، يكشف تحولا تدريجيا في المزاج العام، إذ ما زالت الأغلبية ترى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن هذه الأغلبية لم تعد مريحة كما كانت في السابق، بينما ارتفعت نسبة من يعتقدون أن الأمور تسير في الاتجاه السلبي، وهي نسبة ترتبط في أسبابها المباشرة بعوامل اقتصادية ومعيشية في المقام الأول، مثل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى تأثير الحروب في الدول المجاورة، وهي عوامل تعكس ضغطا اقتصاديا حقيقيا، لكنها لا تعكس فقدانا للثقة بالدولة.

أ ف ب
تُظهر هذه الصورة التي نشرها القصر الملكي الأردني في 16 يونيو 2025 الملك عبد الله الثاني ملك الأردن وهو يترأس اجتماعاً في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات في عمّان

وهنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية، لأن المجتمعات لا تغيّر مزاجها فجأة، بل تعدّل توقعاتها تدريجيا. والدولة، في المقابل، لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من استقرار، وبين هذين المنطقين، منطق النتائج ومنطق الصمود، تتشكل الصورة الفعلية لما حدث في الأردن خلال العام ونصف العام الماضيين.

الحرب الأخيرة في المنطقة لم تكن حدثا عابرا في نشرات الأخبار، بل كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الأمن والاقتصاد، لأن الدول، حين تدخل محيطا مضطربا، تواجه خطرين في وقت واحد: خطر الانزلاق الأمني، وخطر الانكماش الاقتصادي، وإذا نجحت في تجنب الأول، فإنها تكون قد أنقذت الدولة، وإذا نجحت في الحد من الثاني، فإنها تكون قد أنقذت المجتمع.

الأردن، في هذه المرحلة، لم يكن خارج المعادلة، بل كان في قلب بيئة إقليمية مضطربة، مفتوحة على احتمالات غير محسوبة النتائج، لكنه اختار أن يدير الأزمة بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة، فالسياسة الخارجية تحركت بحذر، والأجهزة الأمنية رفعت مستوى الجاهزية، والمؤسسات الاقتصادية حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار، والنتيجة كانت واضحة: الاقتصاد تباطأ، لكنه لم يتوقف، ومؤسسات الدولة استمرت في العمل، ولم تدخل حالة ارتباك.

وهنا تظهر أهمية قراءة الأرقام الاقتصادية في سياقها، لا في عزلتها عن كل ما يحيط بها، فخلال العام ونصف العام الماضيين، حافظ الاقتصاد الأردني على نمو إيجابي رغم الضغوط الإقليمية، إذ سجل معدل نمو يقارب 2.6 في المئة في عام 2024، واستمر في تحقيق نمو قريب من 2.5 في المئة في عام 2025، وهي معدلات قد تبدو متواضعة إذا قيست بالطموحات، لكنها مهمة إذا قيست بالظروف، لأن هذه الفترة لم تكن فترة استقرار اقتصادي طبيعي، بل فترة ضغط إقليمي حاد شهد اضطرابات في سلاسل التزويد، وارتفاعا في كلف الطاقة والنقل، وتراجعا في حركة التجارة والاستثمار في المنطقة.

في مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على نمو إيجابي مؤشرا على قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد تحت الضغط، لا على تحقيق قفزات في الأداء، فالدول التي تدخل أزمات إقليمية عميقة عادة تشهد انكماشا اقتصاديا أو تراجعا حادا في النشاط، بينما حافظ الأردن على استقرار نسبي في معدلات النمو، واستمرار في تقديم الخدمات العامة، واستقرار في المالية العامة، وهو ما يعكس متانة البنية المؤسسية للدولة، حتى في لحظات الاختبار.

لكن المواطن، بطبيعته، لا يقيس الأداء بمعدلات النمو وحدها، بل بقدرته على العيش، وهذا أمر مفهوم، لأن الاقتصاد، في النهاية، ليس رقما في تقرير، بل واقع في حياة الناس، ولهذا فإن ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وبطء خلق فرص العمل، أصبحت العوامل الأكثر تأثيرا في المزاج العام، وهي عوامل جعلت الناس أكثر حساسية تجاه الأداء الحكومي، وأكثر اهتماما بالنتائج المباشرة.

يمكن فهم زيارة رئيس الوزراء إلى دولة الإمارات وتوقيع اتفاقية البدء بتنفيذ مشروع السكك الحديدية بوصفها رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، رسالة تقول إن الدولة، رغم الضغوط الإقليمية، لم تتخل عن خططها الاستراتيجية

ومع ذلك، فإن القراءة العادلة لنتائج الاستطلاع لا تبدأ من سؤال: لماذا لم تتحقق النتائج بسرعة؟ بل من سؤال أدق: كيف استطاعت الدولة أن تحافظ على وتيرتها في زمن كانت فيه المنطقة كلها تتباطأ؟

في تلك اللحظة، لم يكن السؤال أمام صانع القرار كيف نحقق نموا سريعا، بل كيف نحافظ على الاستقرار، ولم يكن الهدف تسريع النتائج، بل منع التراجع، وهذه ليست لغة دفاع، بل لغة دولة تدير أزمة، فحين تدخل المنطقة حربا، يتغير إيقاع الاقتصاد، وتتراجع الاستثمارات، وتزداد كلف التشغيل، وتتقلص حركة التجارة، وهذه عوامل لا تعكس ضعفا في الإدارة، بل ضغطا في البيئة.

لهذا، فإن جزءا من النتائج التي لم تتحقق بالسرعة المتوقعة لم يكن نتيجة خلل في القرار، بل نتيجة ظرف قاهر فرض إبطاء الإيقاع الاقتصادي، دون أن يوقف عمل مؤسسات الدولة، ودون أن يخلخل استقرارها.

وهنا تظهر الفكرة الأساسية التي يجب استخلاصها، بأن ما تباطأ كان التسارع نفسه، لا الدولة.

في هذا السياق، يمكن فهم زيارة رئيس الوزراء إلى دولة الإمارات وتوقيع اتفاقية البدء بتنفيذ مشروع السكك الحديدية بوصفها رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، رسالة تقول إن الدولة، رغم الضغوط الإقليمية، لم تتخل عن خططها الاستراتيجية، ولم تتوقف عن التفكير في المستقبل، بل واصلت العمل على مشاريع طويلة الأمد، حتى في أصعب الظروف.

مشروع السكك الحديدية، في هذه اللحظة، لم يكن مجرد مشروع نقل، بل إعلان عن استمرار الدولة في التخطيط، وعن قدرتها على الجمع بين إدارة الأزمة وبناء المستقبل، فالدول التي تدخل الأزمات وتتوقف عن الاستثمار تخرج منها أضعف، أما الدول التي تواصل الاستثمار رغم الضغوط فإنها تخرج منها أقوى.

لكن الاقتصاد، في النهاية، لا يتحرك وحده، بل يحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل الخطط إلى واقع، ولهذا فإن الحديث عن النتائج يقود بالضرورة إلى الحديث عن الإدارة، لأن الإدارة هي الأداة التي تنفذ السياسة، وهي الحلقة التي تربط القرار بالنتيجة.

من هنا تبرز أهمية الإصلاح الإداري الذي بدأت الدولة في العمل عليه، ليس بوصفه ترفا مؤسسيا أو خطوة تنظيمية معزولة، بل بوصفه جزءا من قرار سياسي أوسع، قرار يعكس إصرار الدولة على الدخول في مرحلة المشاريع الكبرى رغم كل ما يحيط بها من تحديات وضغوط، فالأردن اليوم لا يتحرك في فراغ، بل في بيئة إقليمية تشهد ترتيبات اقتصادية واستثمارية ضخمة، من ممرات نقل وسلاسل إمداد ومشاريع بنية تحتية عابرة للحدود، وهي ترتيبات لن تنتظر الدول المترددة، ولن تمنح مكانا لمن يتأخر في بناء قدرته المؤسسية.

ومن هنا، فإن تصميم الدولة على المضي في مشاريع استراتيجية مثل السكك الحديدية، أو تطوير البنية اللوجستية، أو توسيع قاعدة الاستثمار، لم يعد خيارا اقتصاديا فقط، بل أصبح خيارا سياديا يتعلق بمكانة الأردن في الخريطة الإقليمية المقبلة.

الأردن اليوم لا يقف عند لحظة أزمة، ولا يعيش لحظة انتصار، بل يقف عند لحظة انتقال، لحظة يتحدد فيها شكل المرحلة المقبلة

وفي هذا السياق تحديدا، يصبح الإصلاح الإداري شرطا واجبا للالتحاق بهذه المرحلة، لا مجرد استجابة داخلية لمطالب الكفاءة، فالمشاريع الكبرى لا تُدار بالنيات الحسنة، بل بمؤسسات قادرة على التنفيذ، وبقيادات تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على التشبيك الدولي، وهو ما يفسر قرار إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، واختيار شخصية بحجم الدكتور مصطفى الحمارنة لقيادتها، باعتباره قرارا يحمل رسالة واضحة؛ أن الدولة لا تكتفي بإعلان النوايا، بل تسعى إلى بناء أدوات التنفيذ، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقول تجمع بين الخبرة التشريعية والإدارية والسياسية، وبين القدرة على التواصل مع شبكات المعرفة والخبرة في العالم.

أ ف ب
تُظهر هذه الصورة، التي التُقطت في 23 سبتمبر 2023، منظرًا لمجمع "حراج طبربور" في عمّان، حيث يبيع ويشتري تجار ومستهلكو سيارات الوقود التقليدي السيارات المستعملة

الدول التي تدخل مرحلة المشاريع الكبرى دون إصلاح إداري يسبقها تخاطر بأن تتحول خططها إلى شعارات، أما الدول التي تبدأ بإصلاح الإدارة قبل إطلاق المشاريع فإنها تضع الأساس الحقيقي للنجاح، لأن الإدارة، في نهاية المطاف، ليست نصوصا في القوانين، بل قدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وتنفيذه بكفاءة، وتحمل مسؤوليته حين تضيق الخيارات.

الأردن اليوم لا يقف عند لحظة أزمة، ولا يعيش لحظة انتصار، بل يقف عند لحظة انتقال، لحظة يتحدد فيها شكل المرحلة المقبلة، ليس بقدرة الدولة على الصمود فقط، بل بقدرتها على تحويل هذا الصمود إلى نتائج ملموسة.

فالسياسة، خلال العام ونصف العام الماضيين، نجحت في حماية الاقتصاد من الانكماش، ونجحت في الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، لكنها الآن تدخل اختبارا مختلفا، اختبار القدرة على استعادة التسارع في بيئة إقليمية تتشكل من جديد، وتتسابق فيها الدول على تثبيت مواقعها في خرائط المشاريع الكبرى وسلاسل الإمداد والممرات الاقتصادية.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قوة الدولة بما تتجنبه من خسائر فقط، بل بما تبنيه من فرص، ولا تُقاس ثقة الناس بما يسمعونه من وعود، بل بما يرونه من نتائج.

وهنا، بالضبط، يبدأ الاختبار الحقيقي.

font change

مقالات ذات صلة